لمعرفة الروح عنده إلا نمط واحد سوىّ منتج . فبدلا من أن يعتبرها - كما يفعل غالبا غيره - في حالة الانحطاط التي يضعها فيها اتصالها بالبدن وبغيره من السفليات ، رأى لزوم مشاهدتها بعيون العقل على الحالة التي هي عليها في ذاتها مجرّدة عن كل ما ليس منها . غير أنه كما أن من يرون « غالوقوس » البحار يصعب عليهم معرفة صورته الأولى التي شوّهتها الأمواج تحت آكام القواقع والحشائش البحرية والحصى التي كانت تستره تحتها ، كذلك الروح تظهر لأعيننا مشوّهة بألف شهوة وألف مرض . ولكن الجهة التي يلزم تقديرها منها إنما هي جهة تذوّقها للحق . ينبغي أن يرى بأي الأشياء ترتبط ، وعن أي ألفة تبحث من حيث إن طبعها هو من قبيل ما هو إلهي خالد لا يعتوره الفناء . وينبغي أن يرى ما ذا يمكن أن يكون مصيرها حين تطلع بذلك الشوق الشريف من عمق هذه اللجج التي تغطيها الآن ، وإذ تتوجه بكليتها إلى ذلك المصير « 1 » . متى تصل النفس حينئذ إلى الحق ؟ أليس ذلك على الأخص عند فكرة أن حقيقة الأشياء تتجلى لها ؟ أوليس تفكيرها يجيء على أحسن ما يكون حيثما لا تكون مضطربة بما تنظر من المرئيات ، وبما تسمع من المسموعات ، وبما يصيبها من الألم ومن اللذة ، وأنها متى استجمّت وتخلصت بقدر ما يمكن من كل علاقة بالبدن ، تتجه مباشرة إلى ما هو كائن حتى تصل إلى معرفته ؟ أوليس أن نفس الفيلسوف تحتقر البدن وتبتعد عنه وتبحث عن أن تكون منفردة مع ذاتها ؟ وهل هي تحصّل « المثل » ( المعقولات الكلية ) بحاسة جثمانية « كمثل » الخير والجمال والعدل والعظم والقوة وبالجملة أصل جميع الأشياء ؟ وهل بواسطة البدن يدرك الانسان ما في تلك « المثل » من الحقيقي الواقعي ؟ أم هل لا يتقدّم المرء في معرفة ما يريد معرفته بمقدار ما يفكر فيه أزيد وأدق ؟
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 62
مساهمون: أرسطو
ص٦٢
هامش
( 1 ) أفلاطون - فيدون ص 277 - هييباس ص 121 - الجمهورية ك 10 ص 273