تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
لها في العدل الإلهي الذي ليس للانسان عنه محيص . ذلك هو القانون الأخلاقي لسقراط . ذلك هو دينه الذي لم يزل ولن يزال أبدا دين النفوس المستنيرة الزكية . كان لي أن أقف بمدح أفلاطون وبسرد مذهبه عند هذا الحد لو لم أك لأحرص على بيان الينبوع الذي اغترف منه هذه الحقائق السامية المضبوطة . ينبوعه هو الفكرة التي استفادها من الطبع الانساني . فكرة ملأى بالاعتدال المقبول الذي لا يرفع الانسان عن مكانته ولا يضعه عنها البتة ، والذي يعرّفه بالضبط قدره ، فلا يرقى به إلى أعلى من موضعه ولا ينزله عنه ، والذي يعطيه من العزة حقه دون أن يخلع عنه الخضوع الضروري ، والذي لا يجعله أقوى مما ينبغي له ولا أضعف منه ، والذي يريه دائما السماء التي هي مصيره دون أن يعطله من أي واجب من واجباته على الأرض . أظن سقراط هو أوّل من حاول من الحكماء إثبات صبغة اللّه في الطبع الانساني بطريق البحث والتنقيب ، وقد صدر في ذلك عن هذا المعنى العميق الذي قرره « انكساغوراس » وهو أن العقل أصل كل شئ في العالم فاستنتج منه كما ذكر في « فيدون » هذه النتيجة وهي : أن عقلا مدبرا خالقا يجب أن يكون قد أعد كل شئ على أحسن ما يكون . وليس على الباحث لمعرفة طبع أي شئ إلا أن يبحث أحسن حالة يمكن أن يكون عليها ذلك الشئ ، فليس على الانسان في كل ما يتعلق به إلا أن يبحث ، كما هو الحال في بقية الأشياء ، عما هو الأحسن والأكمل . ولقد كان « هرقليت » يقول من قبل سقراط : إن أجمل القردة إذا قورن بالانسان ظهر قبيحا ، كذلك الانسان الحكيم لا يظهر بجانب حكمة اللّه وجماله إلا كالقرد ، ولكن سقراط عز عليه أن يقف بحثه على درس الجسم كما فعل « هرقليت » فيلسوف يونيه ، فتمشى مع مبدأ الأحسن في درس الروح التي جعلها الجهة الوحيدة لدرس الطبع البشرى . وليس