تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨

أحبابا للانسان وهم قضاته ، وأن هذا هو مصير الناس بعد موتهم ، وأن هذا المقدور على حسب الاعتقاد القديم للجنس البشرى يجب أن يكون للأخيار أحسن منه للأشرار « 1 » . ذلك هو اعتقاد سقراط ، وذلك هو دينه الذي اعترف بأنه لم يعلنه للناس ، لكنه أعلنه بموته كأنه مختوم بدمه . ليس هنا محل إيراد جميع الحجج التي عنى سقراط بايرادها بيانا لخلود الروح في مأساة « فيدون » . لا أقول إنها كلها حجج قوية على السواء ، ولكن ما ذا يهم هذا ؟ إن المظهر الذي ظهرت به نفسه الكبيرة وعقيدته التي أعلنها عندما شرب السم هو برهان أقطع من كل دليل منطقي . لا شك في قوّة تلك الأدلة التي أقنعت « كريتون » و « سيبيس » و « سيمياس » و « أپلّودور » و « فيدون » الذي كان شاهدا معهم وقص هذه الرواية التي تفتت الأكباد . ولكن المثل الذي ضربه سقراط أبلغ في الاقناع من كل دليل . إن الحق وحده هو الذي يؤيد صاحبه على الثبات . ليس أصعب ما يكون على الانسان أن يعتقد ما كان يعتقده سقراط ولا أن يقابل الموت بشجاعة تعدل شجاعته ، لكنما هو أن يحيا حياته . وإنه ليجب علينا القول بأن الانسان لا تتوافر لديه الثقة بعدل اللّه ورحمته إلى هذا الحدّ إلا إذا استحقهما بالعمل الصالح في الحياة الدنيا ، فإنما القلوب الطاهرة هي ذات البصائر . وأما الرذيلة ولو كانت قابلة للشفاء فإنها منشأ هذه النتيجة المشئومة . إنها كما تودى بالفضيلة تحجب عنا نور الحق ، فتجعل الحياة المستقبلة مظلمة بقدر ما تكدر الحياة الراهنة وتحط من قيمتها . ينبنى على ذلك أن الحياة الآخرة في رأى أفلاطون تظهر للنفس العادلة في حلل من البهاء تنير لها الطريق حتى تسلكه مطمئنة . إن الحياة الآخرة هي تمام الحياة الدنيا

هامش
( 1 ) أفلاطون - فيدون ص 198 و 199 و 206 - تقريظ سقراط ص 118 .