تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥

« خوفا على نفسي كما قد يبدر للأذهان ، بل خوفا عليكم أن تحاربوا اللّه بالحكم على » هذا هو اعتقاد سقراط وذلك هو إحسانه إلى الناس ، فلا يعجب من يسمع تقريظه من أن يراه قد تقدّم المسيحية نفسها إذ يقول لأهل جمهوريته : « يا أيها الذين تتألف » « منهم المملكة كلكم إخوان » . لأنه هو نفسه لم يغفل لحظة عن الاعتقاد بأنه أخو قاتليه « 1 » . كفى بالمذاهب الأخلاقية التي من هذا النوع دليلا على المذاهب الدينية التي تتوّجها . فمن السهل استنباط المعتقدات الدينية لأفلاطون وسقراط من مذهبهما الأخلاقي . فإذا كان الصوت الذي يخرج من أعماق ضميرنا هو صوت اللّه ، وإذا كان اللّه هو الشارع الذي تجب علينا جميعا طاعته ، وإذا كان الناس لا يؤلفون فيما بينهم إلا عشيرة واحدة ، فمن البديهي أن أباهم العامّ إنما هو اللّه الذي رضى لهم أن يحبوه كما يحبون أنفسهم بعضهم بعضا . وإن الصلة بينه وبين الانسان دائمة « فلا يستطيع أن يفرّ منه أبدا ، ولو صغر حتى نفذ في باطن الأرض ، أو كبر حتى » « عرج في جوف السماء » . وأبعد من ذلك أن يستطيع التغلب على الآلهة أبدا ، أو يتخلص من هذا النظام الثابت الذي شرعوه والذي يجب احترامه إلى ما لا نهاية . ومن الكفر البين بعد إنكار وجود اللّه أن لا يعتقد بالعناية الإلهية ، فان ذلك يستتبع القول بأن هذه العناية يمكن أن تتخلى عن الإنسان لحظة فلا ترعاه ، وتسلمه بغير حساب إلى سورة رذائله أو عجز فضائله . إن أجمل ألقاب الانسان وأحسنها أنه « لعبة صنعها اللّه بيديه » فلا شئ لدينا إلا وهو من فيض إحسانه ، ولا نستطيع أن نوفيه الشكر على نعمائه بصلواتنا وما نقرّب من القرابين وما نأتى من العبادات المستمرّة . إنه هو قوّتنا ولولاه لم نكن شيئا مذكورا . « إن اللّه - على حسب التقاليد القديمة - »

هامش
( 1 ) أفلاطون - تقريظ سقراط ص 93 و 95 - الجمهورية ك 3 ص 186 .
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 55 | أرسطو