تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧

هذه الافكار يجب أن يقطع المرء عمره . يذكّر بها نفسه وغيره في كل فرصة وفي كل مقام من مقامات الجدّ واللهو « 1 » . يظهر لي أنه متى فهم الانسان كل ما في هذه الثقة بالله من شرف وقوّة ، أحسن فهم ثبات سقراط أمام الموت ثباتا لا يتزعزع ، مع أنه ربما لم يكن له بمعاناته قوّة . لقد علّم نفسه الموت منذ زمان طويل . وإن الفلسفة التي تعلّم النفس أن تحيا حياتها الخاصة وتنفر عن « جنون البدن » ليست في الحقيقة إلا تعليما للموت كما كان يقول . غير أن هذا لم يكن هو السبب في طمأنينته التامّة ، فقد يمكن أن يعدّ المرء للموت عدّته ، ومع ذلك يهاب النتائج المترتبة عليه . إلا أن الأمر في رأيه لا يخرج عن أحد اثنين : إما أن يكون الموت هو الهلاك المطلق والقضاء على كل إحساس ، كما يميل كثير من الناس جدّ الميل إلى اعتقاده ، وإما أن الموت - كما يقول هو - تغيّر بسيط وانتقال النفس من محل إلى آخر . فإذا كان الموت تعطيل كل شعور ونوما بلا أحلام ، أفلا يكون الموت غنما عظيما ؟ ليختر واحد ليلة مرت به كذلك في نوم عميق لا يروعه حلم ، وليقارن بين هذه الليلة وبين جميع الأيام والليالي التي مرت في حياته كلها ، وليقل حقا كم مرّ به من الأيام والليالي ما هو أسعد من تلك الليلة . وعلى تقدير أن الموت أشبه بذلك يكون لا ضرر منه ، لأن مدّته كلها لا تكون على هذا التقدير إلا ليلة واحدة . أما إذا كان الموت كما يعتقده سقراط هو الانتقال من هذه الدار إلى دار أخرى هي ملتقى كل من عاش في هذه الدنيا فأي خير أعظم من ذلك ؟ لم يجترئ سقراط على أن يؤكد أنه سيكون في زمرة الرجال الفضلاء الذين أصابهم الظلم كما أصابه ، ولكنه يؤكد بلا تردّد وبمقدار ما يؤكد حاله الراهنة أنه سيجد في الآخرة آلهة

هامش
( 1 ) أفلاطون - القوانين ك 4 ص 234 وك 10 ص 253 وك 5 ص 266 .