الصالح من عدالته . إن الشرير أولى الناس بالشفقة ، لأنه مريض النفس قد اعتراه المرض في جزئه الأنفس . حقا أن من القلوب ما قد بلغ في الفساد حدّا لا يمكن معه شفاؤها ، بل أخذت منها الرذائل مأخذا أصبح معه علاجها عسرا جدّا أو مستحيلا ، ولكن هذه هي الاستثناءات التي يندر وجودها . أما أكثر الشريرين - وفي شفائهم بقية من الرجاء - فيلزم أن يكظم الغيظ في حقهم ، وأن لا يؤخذوا بالعقوبات القاسية التي لا يكون من ورائها إلا أن يركبوا متن الحدّة ويبتعدوا عن الدواء الشافي .
ان ما يكسب مبادئ سقراط هذه من رفعة وميزة خاصة بها أنه لم يقصر أمره على تقريرها ، بل كان يعاني تطبيقها ، وما كانت حياته إلا وقفا على هذا التطبيق الطويل الشاق ، فإنه منذ تلقى من إله « دلفوس » رسالته المقدّسة ، واستنارت نفسه بنور الحق ما زال يعلّم مواطنيه بأكمل ما يكون من الرعاية التي قد لا تخلو من التقريع ، يمحض لهم أنفع النصائح ، ويحمل إلى السرائر الخالصة نور سريرته الساطع . وقد كان يرى أن نفع الناس وتخليصهم مما هم فيه من الشرور واجب عليه إلى حدّ أنه لو استطاع أن يخلصهم بتقديم حياته قربانا ، لما تأخر في ذلك . فلو قال له أهل آتينا :
« يا سقراط إنا نطرح رأى « أنيتوس » ونحكم ببراءتك ، لكن على شرط أن » « تكفّ عن الفلسفة وعن أبحاثك التي اعتدتها ، وإنه إن وقع منك ذلك » « واكتشف أمرك عوقبت بالقتل » لما تأخر عن أن يجيبهم : « يا أهل آتينا إني » « أحترمكم وأحبكم ولكني أطيع اللّه لا أطيعكم أنتم ، وما بقيت أنفاسى تتردّد » « في صدري ، وبقي لي حظ من القوّة ، لا أفتأ أنذركم وأنصح لكم وأدعو كل من » « لقيته باللسان الذي عرفتم منى . ولو أنى كففت في هذه الساعة ، لما كان هذا »
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 54
مساهمون: أرسطو
ص٥٤