تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢

بين أبى طالب وأبى لهب :

218 - إن موقف أبى طالب لا يحتاج إلى تعليل ، لأنه موقف الشفيق على من كفله ومن رباه ، فقد كان كافله بعد جده عبد المطلب ، واختاره عبد المطلب دون بقية بنيه ، ولم يكن أسنهم ، فكان يمنع النبي مستجيبا لداعى الشفقة والمحبة ، ومستجيبا لوصية أبيه بأن يحفظه ويحوطه ، فقام بحقها ، حتى بعد أن صار محمد صلى الله عليه وسلم شابا سويا قويا ، ووجد أن الحياطة تكبر بكبر الموصى به فتكون معاونة بعد أن كانت وصاية ، وتكون مدافعة بعد أن كانت رعاية . إنما الذي يحتاج إلى تعليل هو موقف أبى لهب ، فما أعلن ما توجبه القرابة بل ما توجبه العصبية التي تجعله مع محمد صلى الله عليه وسلم عصبته وقريبه القريب ، وأن عليه أن يحميه ، لم يفعل ذلك ، ولم يسكت مفوضا الأمر إلى أبى طالب أخيه ، كما سكت حمزة والعباس ، ولم يكونا قد دخلا في الإسلام ، لم يفعل ذلك أبو لهب . ولعلنا لو أشرنا قليلا إلى طبيعته ، وما أحيط به لسهل علينا تفسير موقفه ، أو أدركنا فعله لهذا الموقف الذي عادى محمدا عليه الصلاة والسلام وخالف قرابته مسلمهم وكافرهم على سواء . لقد كان عبد العزى ( أبو لهب ) طبيعة غير طبيعة إخوته ، فإخوته يطلبون السيادة والشرف والعزة بالخلق العربي الصميم ، وهو يطلب المال والدنيا ، وفيه أثرة ، وحب الذات ، ومن يكون كذلك يميل دائما إلى الابتعاد عما يثير المتاعب ، ويؤثر في المال ويوجد اضطرابا ، وبذكائه الشديد أدرك أن دعوة محمد عليه الصلاة والسلام تقدمة لمتاعب لمن يعتنقها أو يحميها ، فقاومها ، وشدد في المقاومة ، وطبيعته المادية جعلته لا يفكر في أي أمر معنوي ، ولا في رجاء لنصرتها ، وطبيعة الأثرة فيه جعلته لا يفكر في إحساس غيره ، ولا في معاونة من يحتاج إلى معاونة طويلة مديدة من أسرته . وتلك الطبيعة التي لا تريد إلا استقرارا لأجل المال ، وما يتصل به من متاع تكره تغيير ما كان عليه الاباء ، بل ترغب في أن تسير الحياة نمطية ، لا تغيير فيها ولا اضطراب . ولعل هذه الطبيعة هي التي جعلته لا يخرج مع قريش في غزوة بدر الكبرى ، وخرج العباس وإن كان كارها محرجا ، وهناك عامل ثان ، فوق ذلك العامل النفسي ، وهو زوجه أم جميل الأموية أخت أبي سفيان ، فقد كانت عاملا مذكيا لتلك الطبيعة المعاندة ، كانت تكره رسول الله محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم ، وتكره زوجه أم المؤمنين خديجة ، والتقى كرههما في قرن واحد من يوم زواجهما الميمون الطاهر ، ولا ندري أكان الزواج هو السبب أم كان غيره .