وبينما كان أبو لهب محبا للمال مؤثرا له على كل شيء من أسباب الحياة الكريمة كان أبو طالب يكتفى من المال بالقليل من غير أن يبذل مروءته في سبيل طلبه ، فالمروءة عنده أولى بالطلب من الاستكثار من المال ، ولذلك كان محدودا ، ولم يكن مجدودا ، ولكل هذا قبل أبو طالب أن يكون لمحمد عليه الصلاة والسلام نصيرا ، لأن الشفقة والمروءة ، والمناصرة العربية الكريمة تقاضته ، فاستجاب لسجيته له ، وما وهن ولا استكان ، ولا ولى ، بل استمر مناصرا في كل الشدائد ، حتى قبضه الله تعالى .
وليست الغرابة في نصرته للنبي عليه الصلاة والسلام ، إنما الغرابة في أنه لم يدخل فيما يدعو إليه ! !
ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
« 1 » وقد ذكرنا من قبل أن ذلك دفع لوهم يقوله بعض الواهمين ، إن دعوة محمد عليه الصلاة والسلام كانت عصبية جاهلية .
ولقد ذكر ابن كثير أنه لو أسلم كما كان يظهر من لحن قوله أنه يميل إلى الإسلام ، إذ يقول :
لولا الملامة أو حذار مسبة * لوجدتنى سمحا بذاك مبينا
لو أسلم لكان المشركون له أعداء كما عادوا محمدا عليه الصلاة والسلام ، وقد كان عندهم من قبل ذلك الأمين المحبوب الذي يسمع قوله ويطمأن إلى حكمه ، ولكن أراد الله تعالى أن يبقى على دين قومه ، لكي يكون ردا للنبي وعضدا في وسط المدلهمات ، وقال ابن كثير في ذلك : « وكان رسول الله أحب خلق الله تعالى إاليه ( أي إلى أبى طالب ) ، وكان يحنو عليه ، ويحسن إليه ، ويدافع عنه ، ويحامى ، ويخالف قومه في ذلك مع أنه على دينهم ، وعلى خلتهم ، إلا أن الله تعالى قد امتحن قلبه بحبه حبا طبيعيا لا شرعيا ، وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى ، ومما صنعه لرسوله من الحماية ، إذ لو أسلم أبو طالب ، لما كان له عند مشركي قريش وجاهة ، ولا كلمة ، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه ، ولا جترؤا عليه ، ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه ، وربك يخلق ما يشاء ويختار ، وقد قسم خلقه أنواعا وأجناسا « 2 » .
220 - كانت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ابتداء سرية يدعو من يعرف من أصدقائه وأوليائه الذين كانوا كنفسه ، ثم يدعو كل من ذاق بشاشة الإسلام وخالطت نفسه من أصدقائه وأحبابه ، فكانت تصغى إاليه الأفئدة طالبة الحق ، بقوة المحبة للخل الوفي ، وللحق البدى ، من دعوة علنية ، ولكن الأمر النوراني لا يخفى طويلا ، فعلم وإن كان في أضيق دائرة .
وكان لابد أن يتولى النبي عليه الصلاة والسلام الإعلان ، والجهر ، وكما بدأ بدعوة أهل بيت النبوة ، الذين أشرق الوحي عليه ، وهو بينهم ، فقد أخذ بأمر الله تعالى يعلنه بين ذوى قرابته يؤمن من يؤمن ، ويكفر من يكفر .
هامش
( 1 ) سورة يس 38 .
( 2 ) البداية والنهاية ج 3 ص 41