ولعله يبدو بادي الرأي واضحا جليا أن أكثرهم قد رد من عشيرته ، ولم يستجب إلا بعض نساء العشيرة الطاهرة كصفية ، وفاطمة امرأة أبى طالب ، وكان من هذه العشيرة أول من جاهر بالعداوة ، وهو قريبه القريب عمه أبو لهب ، وفي هذا دليل مادي على أن الدعوة ما كانت من انبعاث قبلي ، بل كانت استجابة لدعاء رباني .
كان إعلان الدعوة للعشيرة الأقربين ، إعلانا للعرب أجمعين ، فقد كانت بأعلى الصفا ، وتسامع بها الناس ، وإذا كان الخطاب للعشيرة خاصة ، فقد كان الإعلام لقريش ، ثم إظهارا لنبي بعث رحمة للعالمين ، تسامعت به الركبان ، وتذاكر في دعوته الذين يغشون مكة المكرمة من غير أهلها ، وبذلك انتشرت الدعوة المحمدية بتبليغ رسالة ربه الذي كلفه بإبلاغها في غير معاندة للمشركين ، ولا مجابهة لهم ، ولا تحد لملتهم .
ولقد كانت تسير في استخفاء ، كما يسرى الماء العذب في أرض مغطاة بالأعشاب ، ولكنه يثمر ، وينبت ، وينمو ولو كان مستخفيا ، وكان الذين ارتضوا الإسلام دينا يستخفون بعبادتهم ولا يظهرونها ، ويذهبون إلى شعاب مكة المكرمة يصلون فيها ، وما عرف أنهم كانوا يذهبون إلى الكعبة الشريفة مجاهرين متحدين ، ولكن كانوا يستخفون بهذه العبادة .
ولقد روى إسلام كثيرين في ذلك وهم علية الصحابة الذين بنيت دعوة الإسلام عليهم ، وكانوا الدعامة الأولى في قواعد البلاغ المحمدي .
فاصدع بما تؤمر
221 - نزل في تدرج الدعوة قوله تعالى :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ .
إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ . الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ . وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ .
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ « 1 » فكانت هذه الآيات الكريمة دعوة إلى أن تبلغ الدعوة أقصى مراتبها ، وأبعد تكليفاتها أثرا في التكليف ، وتأثيرا في النفوس .
ومن كتاب السيرة من يرى أن التكليف الكامل بدعوة الناس أجمعين قد ابتدأ من نزول قوله تعالى :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
ومن هؤلاء ابن كثير ، فقد قال في نزول هذه الآيات الكريمات ما نصه ، بعنوان « أمر الله ورسوله عليه الصلاة والسلام بإبلاغ الرسالة . ) قال الله تعالى :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ . وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا
هامش
( 1 ) سورة الحجر : 94 - 99 .