تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
والدعوة تسرى سريان الماء العذب في خفاء العشب الأخضر والزهر الأنضر ، ولكن لابد أن تستعلن ليعلمها القريب ، وتكشف في وضح النهار المشرق ، ويسرى علمها ، فالخفاء مهما يكن لا يخلو من إبهام . ولذلك لما سرت الدعوة المختفية المتربية في خلية نمائها ، طلب الله تعالى إلى رسوله أن يعلنها ، فقال امرا له
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ . وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ . وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
« 1 » . تقدم النبي محمد عليه الصلاة والسلام وجمع بني هاشم وبنى عبد مناف ، وغيرهم من بطون قريش ، جمعهم في الصفا ، وقال لهم : أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقى ؟ قالوا : نعم ما جربنا عليك كذبا ، ثم ساق لهم ما يدعوهم إليه ، ولنترك الكلمة لرواية البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما ، فقد قال : لما نزلت الآيات
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ .
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ صعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على الصفا ، فجعل ينادى ، يا بنى فهر ، يا بنى عدى ، لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الذي لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا ، لينظر ما هو ، فجاء أبو لهب وقريش ، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقى ؟ قالوا : نعم ، ما جربنا عليك كذبا . قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ، فنزل قوله تعالى :
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ
. وهذا يدل على أن كبير المعارضة في تلك الدعوة المباركة هو أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام ، لكيلا يعلم الناس أنها عصبية أسرة أو بطن من قبيلة ، إنما هي رسالة الله تعالى إلى خلقه . وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه قوله تعالى :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ . .
الآيات وقف وقال : يا معشر قريش ، اشتروا أنفسكم ، لا أغنى عنكم من الله شيئا ، يا بنى عبد المطلب لا أغنى عنكم من الله شيئا ، يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئا ، يا فاطمة بنت رسول الله سليني ما شئت من مال ، لا أغنى عنك من الله شيئا . وهذا الحديث مخرج على شرط البخاري ، وروى مثله الإمام أحمد في مسنده . 217 - ولقد جاء في التاريخ الكبير لابن الأثير : لما أنزل الله تعالى على رسوله
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
اشتد ذلك على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وضاق ذرعا ، فجلس في بيته كالمريض ،
هامش
( 1 ) سورة الشعراء : 214 - 217 .