تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
وبهذه الكراهة كانت تحرضه ، وتوججه إذ تصورت أن نيران العداوة قد تطفئها القرابة ، وعلو شأن محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في دعوته وجهاده ، وذكر اسمه في كل بلدان العرب ، وتجاوز ذلك إلى البلدان المصاقبة ، كالرومان والشام ومصر . ولقد كانت تتردد أخت أبي سفيان في أن تقرض الشعر ذما للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وتسميه مذمما ولا تسميه محمدا ، فقد قالت في ذلك :
مذمما قلينا ودينه أبينا وأمره عصينا
ولقد تلقى شعرها هذا بالاستضحاك ، وعد ذلك ليس شتما له ، لأنها لم تذكر اسمه في شتمها ، فقال عليه الصلاة والسلام : « انظروا كيف يصرف الله تعالى عنى شتمهم ولعنهم ، ويشتمون مذمما ، ويلعنون مذمما ، وأنا محمد » ، وكان فيها مع ذلك صفة السفيهات من النساء ، إنها كانت تمشى بالنميمة . فتوقد نيران العداوة ، وقد قال الله تبارك وتعالى فيها
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ . ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ . سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ . وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ . فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ
« 1 » . هذا هو أبو لهب ، وهذا هو السر في عداوته للحق ، ولمحمد عليه الصلاة والسلام مع قرب رحمه ، ومع أنه سرّ لولادته وقت أن ولد . 219 - هذا أبو لهب ، وذلك موقفه من دعوة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم التي كرهته فيه بعد ود ، أو إن شئت فقل محبته له في صباه حتى بدا ما يتخالف فيه الطبعان ، طبع العم المادي ، وطبع ابن أخيه الروحي الذي لا يحرص على المال . أما أبو طالب ، فلم يكن عدوا لدعوة محمد عليه الصلاة والسلام ، وعباراته توميء بأنه لا يعاندها ، وما عند أبي لهب من صفات تناقضها ، صفات أبى طالب توافقها في أصلها ، فأبو طالب لم يكن أثرا يحب المال ، بل كان فيما يبدو من خلق يجعله يميل إلى الإيثار بالمحبة ، فاثر التعب على الراحة في مناصرة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وبينما أبو لهب يؤثر الدعة والاستقرار على أي صورة كانت ، كان أبو طالب شيخ البطحاء لا يؤثر الدعة والاستقرار مع الضيم ، بل يقاوم الضيم راضيا بملاقاة أسباب الإرغام بقلب صابر قوى .
هامش
( 1 ) سورة المسد كلها .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 303 | محمد ابو زهره