على أن يعيش في أسرته حرا طليقا ، فلابد أن يكون من أول الناس إسلاما ، فانضم إلى الأسرة النبوية غير متلكيء ، ولا متلعثم ، ولا مضطرب ، بل دخل مسرعا ، غير متلوم .
اجتمع شمل الأسرة الكريمة على الإيمان ، ولازم محمد صلى الله عليه وسلم في صلاته أم المؤمنين خديجة ، وصفيه المجتبى علي بن أبي طالب ، ولقد جاء تاجر زائرا مكة المكرمة ، ولنترك له الكلمة يقص ما رأى :
عن يحيى بن عفيف قال : « جئت زمن الجاهلية إلى مكة ، فنزلت على العباس بن عبد المطلب ، فلما طلعت الشمس وحلقت في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة . أقبل شاب ، فرمى ببصره إلى السماء . ثم استقبل الكعبة . فقام يستقبلها . فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه . فلم يلبث حتى جاءت امرأة .
فقامت خلفهما ، فخر الشاب ساجدا . فسجدا معه . فقلت : يا عباس . أمر عظيم . فقال : أتدري من هذا ؟ فقلت : لا . فقال : هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي . أتدري من هذا الغلام ؟
قلت لا . قال : هذا علي بن أبي طالب . أتدري من هذه المرأة التي خلفهما ؟ قلت : لا أدرى ! قال :
هذه خديجة زوج ابن أخي . وهذا حدثني أن ربك رب السماوات والأرض أمر بهذا الذي تراهم عليه .
وأيم الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة ، وكانوا الثلاثة المطهرين السابقين إلى الإسلام ، ومعهم زيد بن حارثة فكان الرابع .
ويلاحظ في هذه الأخبار الصادقة أن أولئك أسلموا من غير أن يطالبوا بدليل ، بل كانوا المصادقين لما عرفوا من الحق في ذاته . فأي قلب خال من شوائب الهوى والغرض يسوى بين الإيمان بحجر لا ينفع ولا يضر والإيمان بالواحد الأحد الفرد الصمد ، الذي ليس بوالد ولا ولد ، ثم مع ذلك الحق الذي يدرك بأدنى تأمل من قلب سليم - ما عرف به الداعي من خلق صادق . وفضل كبير ، وعقل مدرك سليم ، ثم لا يكون في كلامه ارتياب مرتاب .
فالذي دفع إلى إيمان تلك الأسرة الطيبة إدراك للحق في ذاته ، وإيمان بصدق ربها ، ومن بعد ذلك صفاء في نفوس أهلها ، وأنّى يكون قلب أصفى من قلب أم المؤمنين خديجة ، وعلي بن أبي طالب .
النور يشرق من بيت النبوة
212 - فاض النور من بيت محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، وانبثق البثق الكبير خارج البيت ، ولكنه لم يكن بعيدا عن محمد عليه الصلاة والسلام ، فقد ذهب يضيء قلوب أصدقائه ، والذين وصلت نفوسهم بنفسه ، وإن لم يكونوا له أقرباء قرابة بعيدة أو قريبة ، ولكنهم كانوا من قبيله وقومه ، ثم كانت