تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
وإنما الذي نقرره أن كليهما أسبق الذكور إلى الإسلام ، أبو بكر وهو رجل مكتمل يقارب الأربعين . وعلى في العاشرة من عمره ، لم يبلغ حد المراهقة ، ولكنه كان مميزا فاهما ، أسلم متفكرا متدبرا مدركا ، وقد ذكرنا أن فقهاء المسلمين يعتبرون إسلام الصبي المميز صحيحا وإن اختلفوا في اعتبار ردته مستحقة للعقاب . بادر أبو بكر بالإسلام عندما علم بالبعثة المحمدية ، واسمه عتيق ، أو عبد الكعبة المكرمة ، وسماه النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله . وقالوا أن أمه كان لا يعيش لها أولاد ذكور ، فلما رزقته وعاش سمته عتيقا لأنه عتق من الموت ، وقيل سمته عبد الكعبة « المكرمة » لأنها نذرت أن تسميه عبد الكعبة . ثم اختار له صديقه محمد عليه الصلاة والسلام أن يكون عبد الله . كانت الصحبة تجعلهما كالمتعاشرين في كمال الخلق ، حتى أنه عندما بدت إرهاصات النبوة ، وابتدأ البعث ، كانت تسأله خديجة عن صاحبه إذا غاب وهو يحضر إليها عندما تقلق عليه ، وتقول له : « يا عتيق أين ذهب » . يقول الرواة أن أبا بكر أسلم قبل أن يطلب إليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . إذ أنه قد كان يتوقع ظهور نبوة صديقه محمد عليه الصلاة والسلام ، لأنه قد سمع كلام ورقة ، وعلم من خديجة حديثه لها ، وكان يوما عند حكيم بن حزام ، إذ جاءت مولاة له ، فقالت : إن عمتك خديجة تقول في هذا اليوم أن زوجها نبي مرسل مثل موسي ، عندئذ أدرك أبو بكر أن ما توقعه قد وقع ، وأن النور أشع ، ولم يبق إلا أن يستضيء به ويعشو إليه ، فانسل إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، فأسلم إذ طلب إليه النبي عليه الصلاة والسلام ، وما كان طلبا لجاهل . بل كان طلبا ممن عرف ولم ينكر واستسلم وأذعن لله تعالى « 1 » . ولذلك روى ابن إسحاق في سيرته أنه بلغه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : « ما دعوت أحدا إلى الإسلام ، إلا كانت عنده كبوة ، ونظر وتردد إلا ما كان من أبى بكر ما عكم « 2 » عنه حين ذكرت » . فنفس أبى بكر كانت سائغة إلى الإسلام قبل دعوته ، لما رأى من إرهاصات النبوة ، ولما علم من كلام ورقة ، ولأنه كان الصديق الوفي والحبيب الولي لمحمد عليه الصلاة والسلام . ولقد كان لإشراق نفسه ، ولصغوة فؤاده إلى الحق ، والاتجاه إليه أنه كان يرى الرؤى التي يكون تأويلها تبشيره بالإيمان .
هامش
( 1 ) شرح المواهب اللدنية ج 1 ص 240 . ( 2 ) عكم عنه : أي تردد وفكر وانتظر .