فسلكه فانتهى إلى البراءة ، وما كان ذلك ليكون إلا من صبور حكيم متدبر يغلّب العقل والفكر في وقت تطيش فيه الأفهام ، وتجيش فيه العواطف ، ولكن النفس ، نفس محمد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، تسيطر عليها الحكمة دائما . وإن صبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في البأساء والضراء وحين البأس ، كان صبر من يتوقع البلاء قبل أن يقع ، فعبّد نفسه لقوة الاحتمال ، وقد أخبره الله تعالى بما سينزل به وبالمؤمنين ليصبروا فقال تعالى :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
« 1 »
ولقد قال تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ
« 2 »
وقال تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ، وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
« 3 » .
وقال سبحانه وتعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا ، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
« 4 » .
فكان الصبر الاختياري من غير شكوى ولا أنين عدته في تبليغ رسالة ربه ، وقد تربى عليها قبل البعثة ، وكان قوته بعدها .
العادل
160 - الأمانة والعدل صنوان متلازمان ، فلا يمكن أن يكون الأمين غير عادل ، ولا أن يكون العادل غير أمين ، لأن الأمانة مراعاة الإنسان لحق غيره ، لا ينكره ولا يجحده ، والعدالة ، تبتديء من انتصاف الإنسان من نفسه ، ولذلك قرن الله سبحانه وتعالى طلب أداء الأمانات بالعدالة في الحكم ، فقال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ، وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ، إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ، إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً
« 5 » .
هامش
( 1 ) سورة بالبقرة : 155 ، 156 .
( 2 ) سورة البقرة : 214 .
( 3 ) سورة آل عمران : 143 .
( 4 ) سورة آل عمران : 200 .
( 5 ) سورة النساء : 58 .