158 - كان محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام صبورا أبلغ ما يكون الصبور ، فقد كان قبل البعثة الصابر في المنشط والمكره ، والصابر في الفقر والغني ، والصابر في العجز والمقدرة ، ثم كان بعد البعثة الصابر في أداء الرسالة ، وتبليغها والدعوة إليها ، صابر المشركين عند الدعوة ، صابر قومه الذين جفوه ، ونكروه وهم يعرفونه ، وكذبوه ، وهو الصادق الأمين ، ورموه بالسحر كذبا ، والجنون افتراء ، وقالوا ما قالوا فيه وفي رسالته ، وقد وسع صبره كل افترائهم ، فما وهن في دعوته ، ولا يئس من إجابته ، وكان يرضى في أن يصدع بأمر ربه وهو يصبر على إنكارهم من غير أن ييأس من إيمانهم ، ويدعو عليهم ، فلم يقل كما قال نوح :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً . إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ ، وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً
« 1 » بل قال : « إن قومي لا يعلمون » وقال : « إني أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله » ، ولكل نبي من أنبياء الله تعالى فضل ، وقد فضل بعض النبيين على بعض .
ولقد اذوه ، واذوا أصحابه ، وهو القادر على أن يقمعهم ، أو يدعو عليهم بالمقت ، ويسخط عليهم ، وإنزال غضب الله تعالى عليهم ، بل إنه كان يتلقى كل ذلك بالرجاء والاطمئنان إلى أنه مبلغ رسالة ربه ، غير وان ولا مقصر ، مدركا أن الله تعالى بالغ أمره ، وأن العاقبة للمتقين .
كان طاغيتهم يلقى عليه فرث الجزور ، وهو يصلي ، فما يغضب ، ولا يثور ، لأن الغضب يفقد الحق قوته ، والثورة تطيش حولها أحلام من يدعوهم ، وهو حريص على أن يترك لهم حرية الاختيار ، وتقدير الأمر في أناة ، وهدأة مدركة ، والغضب يدفع إلى الملاحاة والمنازعة ، وهو يريد أن ينزع من قلوبهم سخيمة الحقد الملاحي ، بل يضع في قلوبهم قوة الحقيقة تسرى في قلوبهم ، وتنساب في نفوسهم ، وهم مطمئنون من جانبه غير منزعجين .
يصبر عليه الصلاة والسلام صبر الطبيب يعالج المريض ، وقد هاج هياجه ، وأرغى زبده ، فيأخذه في حكمة ، عالما أن المقاومة من المرض ذاته ، وأن غايته معافاة المريض ، فليصبر ، حتى يصل إلى هذه الغاية غير منزعج ، ولا مخاصم ، ولا معاند .
ولقد صبر عليه الصلاة والسلام على استهزائهم وعلى سخريتهم ، وهو اخذ نفسه بأنهم كلما سخروا منه زادت عنايته بالدعوة ، وزادت قوته في الاحتمال ورغبته في المصابرة ، غير متحمل ولا ييئس ، فإن
هامش
( 1 ) سورة نوح : 26 ، 27 .