الصبر يبعد اليأس ويقرب الرجاء ، ويهدى للتي هي أقوم ، ويوقظ الضمائر إن كانت فيها قوة الحياة ، وإن الصبر للذي تشمس نفسه يكون كالسقي والرعى يحيى ولا يميت ، والملاحاة تشغل النفس عن الحق ، وتوجب انحياز كل إلى جانبه ، فلا يرى إلا ما عنده ، ويعمى عما في الجانب الآخر ، فتكون النظرة الجانبية ، والنظرة الجانبية لا تفيد صاحبها .
وصبر عليه الصلاة والسلام على الأذى ينزل بجسمه ، وبأهله ، ألم تره صبر على الحرمان هو وبنو هاشم عندما قاطعتهم قريش ثلاث سنين دأبا . لاقوا فيها العنف من قومهم ، فما أسلموا محمدا عليه الصلاة والسلام لأعدائه .
فكان صبر محمد عليه الصلاة والسلام صبرين ، صبر الداعي إلى الحق يحمل في أثنائه ما يلاقى من جفوة قاطعة لما أمر الله تعالى به أن يوصل ، وصبرا على أذى القريب الواصل الذي يرى أنه كان سببا في أنه ذاق اله وأحبابه مرارة الحرمان والقطيعة .
وصبر عليه الصلاة والسلام يوم ذهب إلى ثقيف يطلب منهم الإيمان ، فاذوه ، وأغروا به سفهاءهم وغلمانهم يقذفونه بالحجارة حتى أسالوا دمه الكريم ، وكان الصابر الكريم عندما عرض عليه جبريل أو ملك الجبال أن يطبق الأخشبين عليهم ، فطلب من ربه أن يستأنى بهم ، ويقرر في اطمئنان الصابر أنه لا يبغى إلا رضاه ، فيقول لربه : إن لم يكن بك غضب علىّ فلا أبالي .
159 - ولما رأى الأذى الشديد ينزل ببعض من أسلموا ، أذن لهم في الهجرة إلى الحبشة ، وهو المقيم الصابر ، لا يتخلى عن دعوته ، ولا يفر ممن يدعوهم ، بل يصابرهم ، ويلقاهم بالرفق ، ولطف المعاملة ، وإن لم يقابلوه بمثلها ، بل يجافونه ويعادونه .
وإذا كان قد خرج من مكة المكرمة مهاجرا ، فليس ذلك لأجل الخوف ، أو نفاد الصبر ، بل لأن الدعوة استوجبت الهجرة بعد أن استمكن لها في يثرب ، وهو إذ يخرج كان صابرا ، إذ أنه يخرج من مكة المكرمة ، وهي أحب أرض الله إليه ، ولولا أن أهلها لم يستجيبوا واذوه ما خرج منها ، فكان الصابر في خروجه ، ولم يكن خروجه جزعا وفرارا .
ولما هاجر كان المجاهد الصبور ، ولقد صابر وصبر في ثلاثة ميادين من الجهاد .
صابر في محاربة الأهواء والشهوات ، وسمى ذلك الجهاد الأكبر ، ودعا المؤمنين إلى متابعته فيه .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 222
مساهمون: محمد ابو زهره
ص٢٢٢