الصلاة والسلام ، ونهى المحكومين عن أن يسكتوا عن ظلم الحاكمين ، لأنه معاونة ، فقال عليه الصلاة والسلام : « لا يأخذ الله تعالى العامة بظلم الخاصة إلا إذا رأوا ولم ينكروا » وأوجب حمل الظالم على العدل ، وحث على ذلك في قوة ، فقال عليه الصلاة والسلام : « والله لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، ولتأخذن على يدي الظالم ، ولتأطرنه على الحق أطرا ، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ، ثم تدعون فلا يستجاب لكم » .
وإن هذه الأحاديث تدل على أمرين عظيمين : أولهما - شدة تمسك النبي عليه الصلاة والسلام بالعدل والدعوة إليه والتشدد فيه ، والاستمساك به ، لأنه كمال في ذاته ، ويدل على استقامة النفس ، حاكما كان أو محكوما ، فهو الكمال المطلق إن كان - وثانيهما - أنه يدعو إلى العدل الجماعي ، لأنه هو الذي يستقيم به أمر الجماعة ، فلا يظلم الرجل أهله ، ولا يظلم الزوج زوجه ، ولا القريب قريبه ، ولا الرئيس مرؤسه ، ولا الحاكم محكومه ، ولا المولى مولاه ، وإنه عليه الصلاة والسلام يقول في حديث قدسي عن ربه : « يا عبادي إني كتبت العدل على نفسي فلا تظالموا » .
162 - ولقد كان عليه الصلاة والسلام يتولى الفصل في خصومات المسلمين في خاصها وعامها ، ويأتي في فصله بحكم الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فكانت أقضيته تقصد القضاء بحكم الله تعالى ، وتنفيذ ما أمر الله تعالى به من أمر وما نهى عنه ، وكانت أحكامه عادلة ، لا يحابى قويا ، ولا يهضم حق ضعيف .
ولما سرقت فاطمة المخزومية ، وأهم قريشا أن يقطع محمد صلى الله عليه وسلم يدها ذهب إليه حبه أسامة بن زيد فتشفع له في ألا يقيم الحد عليها بقطع يدها ، فنهره عليه الصلاة والسلام قائلا له مستنكرا : أتشفع في حد من حدود الله ، ثم وقف خطيبا يقول :
« ما بال أناس يشفعون في حد من حدود الله ، إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف قطعوه ، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها » .
فكان العدل الذي لا يمارى ولا يحابى في حكم من أحكام الله تعالى .
وكان عليه الصلاة والسلام ينظر في الأمر عند الاختصام إلى لب القضية ، فيتعرف المعتدي ، فيحكم عليه ، ولا ينظر فقط إلى المظهر ، ويروى في الصحيحين ( البخاري ومسلم ) أن رجلا عض يد رجل اخر ، فنزع المعضوض يده من فم الاخر ، فوقعت ثناياه ، فاختصموا إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ويظهر أن الذي رفع الأمر من عض أخاه ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام ، منحيا باللائمة على العاض مهدرا دية أسنانه : « يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل لا دية لك » .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 227
مساهمون: محمد ابو زهره
ص٢٢٧