تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
وصابر في ميدان الحرب ، فكان المجاهد الثابت الذي لا تزلزله قوة ، ولا يذهب تفكيره شعاعا ولو تألب عليه العرب جميعا ، كما في غزوة الأحزاب ، وقد جاء المشركون من الخارج واليهود من الداخل
إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا . هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً
« 1 » ، ونجد النبي عليه الصلاة والسلام كان في هذه المعركة ، الصابر ، المصابر ، الذي لم يذهب ساعة من نهار الرجاء منه ، وإن كانت الشديدة قد بلغت أقصاها . وصابر صلّى اللّه عليه وسلّم في الداخل طوائف ثلاثا فأخذ بالرفق الضعفاء ، فكان يبث فيهم روح الإيمان ، وكان الضعف يبدو أحيانا منهم في وقت يحتاج فيه إلى الجلد وقوة العزيمة ، والثبات في البأساء والضراء ، وحين البأس . وصابر المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان ، ويبطنون الكفر ، ويلقون باليأس والهزيمة ، ويدعون إلى التردد في صفوف المؤمنين ، ويستجيب لهم بعض الضعفاء من المؤمنين ، ويصبر عليه الصلاة والسلام على ما يثيرونه حول شخصه واله ، كما خبوا ووضعوا في الحديث الذي أشاعوه عن أم المؤمنين عائشة . ويشير عمر بقتل كبيرهم ، فيرده محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه لا يريد أن يتحدث الناس أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم يقتل أصحابه ، ويستمر صابرا حتى ينهى الشر نفسه . وكان اليهود في المدينة ، فكان يصابرهم حتى ينكشف فسادهم ، فإذا انكشف أخذهم ببعض ذنوبهم صابرا مصابرا ، وإن الصبر في الشدائد هو صبر العافي المدرك بأن غايات الأمور لا تدرك إلا بالصبر المرير ، وكان إذا أدلهم الأمر لا يجزع ، ولا يفزع ، بل يتأنى الأمور ، ويصطبر لها ، معالجا أمرها في أناة وحكمة ، ويقول عليه الصلاة والسلام : « إنما الصبر عند الصدمة الأولى » فإذا دهمه الأمر لا ينزعج ولا يضطرب ، ولا يذهب لبه وتفكيره ، بل يسيطر على نفسه ، ويدبر الأمر من غير هلع ولا جزع ، وكان يرى أن الصبر من الإيمان . وإن الشدائد النفسية تحتاج إلى الصبر أكثر من الشدائد المادية ، وانظر إلى موقفه الصابر عندما أشاعوا قالة السوء عن حبّه أم المؤمنين عائشة ، فقد تلقى الخبر ، وساوره الظن ، وبدا في بعض عمله ، وفي ملامح وجهه ، ولكنه كان المثل الكامل في الثبات ، وتقدير الأمر ، ودعا بعض خاصته للاستشارة في هذا الإفك ، وليتعرف مقدار الحق فيه ، فمنهم من نفى الوقوع وأكد النفي كعمر رضي الله عنه ، ومنهم من دعا إلى التحري بسؤال جاريتها وهو علي ، وقد رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في هدأة الصابر أن ذلك هو الأسلم والأحزم ،
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب : 10 .