تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
ولقد كان النبي عليه الصلاة والسلام الصابر حقا وصدقا ودعا إلى الصبر ، فقد أثر عنه أنه قال : « ما من أحد تصيبه مصيبة ، فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون ؛ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ، وأولئك هم المهتدون ، اللهم أجرني في مصيبتى ، وأخلف لي خيرا منها ، إلا اجره الله تعالى في مصيبته وأخلف له خيرا منها » وإن فضيلة الصبر الجميل ، وهو الصبر من غير تململ ، بل في ثبات جأش واطمئنان قلب وتحمل ، هي قوة لصاحبه ، فوق أن فيها تفويضا لله تعالى مع العمل من غير تخاذل ، فالمفوض الصابر يؤمن بقدرة الله تعالى حق الإيمان ، وأنه المغير ، ولذلك طلب الرسول الصابر صلّى اللّه عليه وسلّم ممن يصاب أن يدعو الله تعالى ، ويفوض إليه أمره ، فإن ذلك يعطيه جلدا واحتمالا . ولقد قال ابن القيم في علاج النفس بحملها على الصبر بالتفويض . « وهذه الكلمة أي التي قالها محمد عليه الصلاة والسلام في العلاج بالصبر ، وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه في عاجلته واجلته ، فإنها تتضمن أمرين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتها تسلى عن مصيبته . أحدهما أن العبد وأهله وماله ملك لله عز وجل حقيقة ، وقد جعله عند العبد عارية ، فإذا أخذه منه ، فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير ، وأيضا فإنه محفوف بعدمين : عدم قبله ، وعدم بعده ، وملك العبد له منحة معارة في زمن يسير ، وأيضا فإنه أليس أوجده من عدمه حتى يكون ملكه حقيقة ، ألا هو الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده ، وألا يبقى عليه وجوده ، فليس له فيه تأثير ، ولا ملك حقيقي ، وأيضا فإنه متصرف فيه بالأمر تصرف العبد المأمور المنهي ، وتصرف الملاك ، ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق أمر مالكه الحقيقي . . . » . والثاني : أن مصير العبد ومرجعه إلى الله تعالى مولاه الحق ، ولابد أن يخلف الدنيا وراء ظهره ، ويجيء ربه فردا ، كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة ، ولكن بالحسنات والسيئات ، فإذا كانت هذه بداية العبد وما حوله ونهايته ، فكيف يفرح بموجود أو يأسى على مفقود ، ففكره في مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا الداء ، ومن علاجه أن يعلم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، قال تعالى :
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
« 1 » .
هامش
( 1 ) زاد المعاد في هدى خير العباد والآيات من سورة الحديد : 22 ، 23 .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 220 | محمد ابو زهره