جلساؤه ، كأنما على رؤوسهم الطير ، فإذا سكت تكلموا ولا يتنازعون عنده ، يضحك مما يضحكون منه ، ويتعجب مما يتعجبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته ، حتى أن أصحابه يستحلمونه في المنطق « 1 » . إذا رأيتم طالب حاجة فارفدوه ، ولا يقبل الثناء إلا من مكافيء ، ولا يقطع على أحد حديثه ، حتى يجوز ، فيقطعه بانتهاء أو قيام . . ويقول : كان سكوته على أربع : الحلم ، والحذر ، والتقدير ، والتفكر . فأما تقديره ، ففي تسويته النظر والاستماع بين الناس ، وأما تفكره ، ففيما يبقى ويفنى ، وجمع له الحلم والصبر ، فكان لا يغضبه شئ ولا يستفزه .
[ ج ] أخلاقه خارقة للعادة :
136 - ولنقف وقفة في تجزئة ذلك القول البليغ ، ودلالته على ما وراءه مما ينبغي أن تكون عليه أخلاق الداعي إلى الحق ، وصاحب الرسالة التي حمله الله تعالى إياها ، وأثر هذه في الإجابة .
لقد قال بعض الكتاب معددا الخوارق التي صاحبت الدعوة المحمدية ، قال إن من أعظم الخوارق التي كانت لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم أخلاقه ، فكانت في ذاتها أمرا خارقا للعادة بين بنى الإنسان ، فهي أعلى من أخلاق الملائكة ، لأن الملائكة حسنت أخلاقهم بمقتضى كونهم : « لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون » « 2 » وليس فيه روحانية عيسى عليه السلام المجردة بل كانت فيه الروحانية الإنسانية ، بما في الإنسان من مطالب الجسم ، وتجرد الروح ، فمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم بين الناس الإنسان الذي تتجلى فيه الإنسانية الكاملة ، وفي طبعه روحانية إرادية ، فكل ما فيه من أخلاق للتربية والإرادة دخل في تكوينه ، فهو ليس حصورا ، ولكنه عفيف لم يتدل إلى خنا قط ، ففضيلته كف الشر ، وتجنب له ، والعفة من حصور ، ليست كالعفة ممن له شهوات تغالبه ، وأهواء تعانده ، وبمعركة بين القوتين تكون النصرة للعفة ، والغلب للفضيلة ، وما يكون الوصول إليه بغلاب يكون أعلى وأنفس ، مما يجيء رخيصا سهلا .
( 1 ) وإن من أول صفات محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكره ربيبه هند ، أنه يخزن لسانه ، أي يكون لسانه كأنه في خزانة قد ستر لا يظهر إلا لخير يرتجيه . فلا يشجع على نفرة ، بل إنه لا ينطق إلا فيما يعنى الذين يخاطبهم ، ويفيدهم ، ويكون فيه تأليف لقلوبهم وتقريب لنفوسهم ، وتأنيس غريبهم ، ويأمر بإعطاء ذي الحق ، ولا يتكلم في مراء ، ولا يذم أحدا ولا يكثر في قول ، خشية سقط اللسان ، لا يعيب الحرمات ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يشبع نهمة القول ، فإذا تكلم هو كان كلامه فصلا ، وكان قوله حكما .
هامش
( 1 ) الكتاب المذكور . . . . وابن الحرم معناها إلمامه بها ، لا يغشى فلتأته لا تستر .
( 2 ) سورة التحريم : 6 .