( 5 ) الصفة الخامسة : الامتناع عن الذم امتناعا مطلقا ، إلا أن يضطره الحق اضطرارا ، فإنه يتكلم بالكناية ، ولا يرضى للعبارة سترا ، وإبعادا عن الفحش فلا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه ، وما يجلب خيرا للناس .
( 6 ) والصفة السادسة : التي يدل عليها هذا الكلام من ذكر أخلاقه ، أنه عليه الصلاة والسلام كان يلتزم السكوت كما أشرنا ، ولكن ليس سكوت العيىّ الحصر ، بل سكوت من يفكر في القول قبل أن ينطق ، ومن يحذر من أن يشيع عنه ما لا يليق بمثله ، وهو يقدر ، وقد يكون سكوته حلما وعقلا وإغضاء وعفوا عمن يكون في قوله سوء .
( 7 ) والصفة السابعة : أنه لا يغضب لشيء يتصل بذاته ، ولا يستفزه شيء يتعلق به ، بل لا يغضب إلا لله أن تنتهك حرماته ، فإذا كان ذلك لا يسكت حتى يقام حد الله .
137 - هذا ما وصفه به هند بن أبي هالة ، وقد كان رجلا وصافا للرجال ، لا تفوته اللمحات ، ولا تخفى عليه النظرات ، وتنكشف دخائل النفوس من العبارات ، وقد لخصنا لك بعض ما تنبئ عنه الكلمات .
ولننقل بعضا من قول من عاشروه وخالطوه ، لتعرف كيف كان عشيرا ، وفيا ، وذا خلق هنيء ، لا جفوة ، ولا جفاء .
لقد روى عروة بن الزبير عن خالته أم المؤمنين عائشة ، وهي التي عاشرته ، وهو يحمل أعباء الإنسانية كلها ويخوض الحروب ويتنقل بين ميادينها - أنها قالت في أخلاق محمد صلى الله تعالى عليه وسلم : « ما ضرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيده خادما قط ، ولا امرأة ، ولا ضرب بيده شيئا إلا أن يكون إثما ، ولا انتقم لنفسه من شئ يؤتى إليه ، حتى تنتهك حرمات الله ، فينتقم لله عز وجل » .
ولقد وصف أبو هريرة صاحبه ، فقال :
كان يقبل جميعا ، ويدبر جميعا ، بأبى وأمي ، لم يكن فاحشا ولا متفحشا ، ولا صخابا في الأسواق .
وإن هذا الوصف لذلك الصحابي الجليل ، ينبيء عما كان عليه الصلاة والسلام من معاملة للناس ، وقد وصفه في هذا بثلاث صفات :
أولا : أنه في لقائه يقبل بنفسه كلها على من يلقاه ، فلا يلقاه لقاء جانبيا أو يكلمه بطرف من لسانه ، أو يستقبل استقبال المستهين ، بل هو واضح في إقباله ، كما هو واضح في إدباره ، فإن تركه لا يتركه إلا بعد أن يتم حديثه ، وعندئذ يتركه ، فلا يبقى حديثا لم يستمع إليه ، ولم يستمع إليه وهو يولى مدبرا .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 179
مساهمون: محمد ابو زهره
ص١٧٩