تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
تصدى غورث بن الحارث ليفتك برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو نائم تحت شجرة قائلا ، والناس قائلون ، فلم ينتبه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا وهو قائم ، والسيف مصلت على رأسه في يد الرجل ، وهو يقول : من يمنعك منى ؟ . فقال عليه الصلاة والسلام بقلب مؤمن ولسان صادق : « الله » ، فسقط السيف من يد الرجل . فأخذه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقال : « من يمنعك منى » ، قال : كن خير اخذ ، فتركه وعفا عنه . فدنا قلب الرجل بعد نفور ، وصار داعية لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن كان يريد قتله ، فقد ذهب الرجل إلى قومه يحببهم في محمد عليه الصلاة والسلام ودينه ، يقول : « جئتكم من عند خير الناس » . ولقد قال في مجمل أقواله هند بن أبي هالة ، وهو ابن أم المؤمنين خديجة من غير النبي . كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : « يخزن لسانه . إلا بما يعنيهم ويؤلفهم ولا ينفرهم ، ويكرم كريم كل قوم ، ويوليه عليهم ، ويحذر الناس ، ويحترس منهم ، من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره ، ويتفقد أصحابه ، ويسأل الناس عما في الناس ، وبحسن الحسن ويقويه ، ويقبح القبح ويوهيه ، معتدل الأمر غير مختلف ، لا يغافل مخافة أن يغافلوا أو يميلوا ، لكل حال عنده عتاد ، لا يقصر عن الحق ، ولا يجوزه ، الذين يلونه من الناس خيارهم ، أفضلهم عنده أعمهم نصيحة ، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة « 1 » . وقال هند هذا في مجلسه : كان إذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهى به المجلس ، ويأمر بذلك ، ويعطى كل جلسائه نصيبه ، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه ، من جالسه ، أو قاوله في حاجة ، صابره ، حتى يكون هو المنصرف . ومن سأله حاجة لم يرد إلا بها أو بميسور القول ، وقد وسع الناس بسطه وخلقه ، وصاروا عنده في الحق سواء . مجلسه مجلس حكم وحياء وصبر وأمانة ، لا ترفع فيه الأصوات ، ولا تؤبن فيه الحرم ، ولا تغشى فيه فلتأته ، متعادلين يتفاضلون بالتقوى ، متواضعين يوقرون فيه الكبير ، ويرحمون الصغير ، يؤثرون ذا الحاجة ، ويحفظون الغريب « 2 » . ويقول : « كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا ممزاح ، يتغافل عما لا نشتهي ، ولا يوئس منه راجيه ، ولا يخيب فيه . قد ترك نفسه من ثلاث : المراء والإكثار وما لا يعنيه ، وترك الناس من ثلاث : كان لا يذم أحدا ، ولا يعيره ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثواب ، إذا تكلم أطرق
هامش
( 1 ) البداية والنهاية ج 6 ص 33 . ( 2 ) البداية والنهاية ج 6 ص 33 .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 176 | محمد ابو زهره