تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
وفي الجملة الخلق الحسن يشمل تهذيب النفس ، وتربية الوجدان ، والتالف مع الناس ، والقرب إليهم ، وتوطيء الكنف لهم ، والتواضع ، والرفق بالضعفاء ، والقرب منهم ، والألم لالامهم ، والسرور لسرورهم ، والاندماج فيهم من غير تأثم ، ولا تجانف لإثم . وإن الخلق الحسن يؤثر في الدعوة إلى الحق ، بما لا يؤثر البرهان وضروب الأقيسة . وإنه من أوصاف النبوة ، ولقد قال الله تعالى في ثمرات الخلق المحمدي
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ، فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
« 1 » .

[ ب ] العفو :

135 - ولقد هيأ الله تعالى محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم ليكون الهادي إلى الحق ، وإلى صراط مستقيم ، فوهبه الخلق الكامل ، الذي يؤلف القلوب ، ويجمع النفوس ، إلا من طغى واستكبر ، واثر الهوى على الحق ، وكان قبل البعثة يحب العشير ، ويقرب الصديق ، ولا يعنت أحدا بعداوة ، بل كان الملاك الطاهر بينهم ، يعف عن قول الخنا وفعله ، ويبتعد عن الهوى وجموحه ، لا يعادى ، ولا يصخب ، ولا يفحش في قول أو عمل ، وهو الصادق ، وهو الأمين ، وهو الذي يعين الكل ، ويغيث الضعيف ، ويعين على نوائب الدهر ، يعفو عمن ظلمه إلا أن يكون في ذلك انتهاك لحرمة من حرمات الله ، أو اعتداء على فضيلة . وإذا كان المسيح عيسى بن مريم قد كان خلقه السماحة يعفو عن المسئ كذلك خلق النبيين عامة ، وخلق محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم خاصة ، وكان ذلك إيجابيا ، وليس سلبيا ، يفعل الخير ويجتنب الشر ، وكان التاجر السمح الصبور ، حتى إنه يروى بعض القرشيين أنه بايع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بياعة قبل البعثة ، وبقي شيء لم يأخذه من محمد ، فانتظره النبي عليه الصلاة والسلام ثلاث ليال ، وكان يذهب فيقيم في مكانه الذي غادره فيه ، حتى لا يضل فلا يهتدى إليه ، فيضيع حقه الثابت له . ولقد امتدت هذه الأخلاق إلى ما بعد النبوة ، فكانت دعامة الدعوة ، فسار بسنة العفو عن الإساءة ، والإعراض عن الجاهلية استجابة لقوله سبحانه وتعالى :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
« 2 » ، وقد كان ذلك الخلق يجذب الناس إلى الايمان من غير دليل ولا برهان ، وإن كان الحق واضحا في ذاته ، وزاده وضوحا خلق النبي الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم ، ولنذكر واقعة كان العفو فيها داعية الإسلام .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 159 . ( 2 ) سورة الأعراف : 199 .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 175 | محمد ابو زهره