تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
وجملة القول في ذلك أنه قد استولى على لسانه ، فلا يتكلم إلا إذا لزم الكلام لرفع حق ، أو خفض باطل ، أو تأليف ، أو زرع مودة ، أو إسداء معروف ، فلسانه ليس خارجا على إرادته ، ولكنه مكملها ، ويسير تحت سلطانها وإرادته للحق . ( 2 ) والصفة الثانية من أخلاقه أنه يتألف مع أصحابه ، ويمتزج إحساسه الفاضل بإحساسهم لينساب إلى نفوسهم ويكرم كريمهم ، ويرفع خسيسة صغيرهم ، حتى يحس بأنه منه ، ويوزع محبته بينهم ، ويعطى نفسه لكل واحد منهم حتى أنه يظن كل واحد منهم أنه موضع الرعاية منه ، وإذا رأى أمرا حسنا أعلن حسنه ، وإن رأى قبيحا نبه إليه في رفق الهادي الأمين الذي يؤلف ، ولا ينفر ، ويقرب ، ولا يبعد ، لا يسكت عن باطل . وهو بينهم اليقظ الذي لا يغافل مخافة أن يغافلوا أو يميلوا ، لا يطوى نفسه لأحد على شر ، وينقذهم ، وكان حريصا يحذر من يتوهم منه شرا ، ويحترس منه من غير تقطيب وجه ، أو غلظة في قول ، بل هو في كل أحواله الأليف المألوف . يقتح قلبه لهم ، ليقول خيارهم ما تنطوى عليه نفوسهم ، ويستحيى غيرهم من أن يظهر خبيئة نفسه ، بل يبقى حبيسا لا يظهر ، وربما خبا فيزول ، ويستقيم أمره ، فإن بعد الرذيلة عن النور والماء يذبلها ، بل يذهبها . ( 3 ) والصفة الثالثة التواضع الكريم الذي لا ضعة فيه ولا ذلة ، فهو إذا دخل على جماعة جلس حيث ينتهى المجلس وحث أصحابه على ذلك ، ويتطامن لهم في المجلس ؛ ويمسهم بجناح الرحمة ، ويسوى بينهم ، وبشره مستمر ، يلين جانبه لهم ، ويغض الطرف عما لا يحسن إلا أن يكون في السكوت ترك لواجب الإرشاد . وإن أرشد ففي رفق يكتفى بالإشارة . فإن لم يكف كان التعرض ، فإن لم يكف كان التنبيه في تعميم ، فإذا رأى بعض الناس يسيء لا يواجهه بالإساءة ، بل يقول : ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا ، ولا شك أنه إذا كان التوبيخ فيه معنى العموم كان ألطف ، وكان مع ذلك أفعل ، وأبلغ أثرا . ولا يمزح إلا قليلا ، وإن مزح فبعبارة فيها حكمة ، ولا تخلو من بيان كقوله لعمته صفية : « لا يدخل الجنة عجوز » فبكت ، فقال عليه الصلاة والسلام ، تكنّ « كواعب أترابا » ألا ترى في هذا مداعبة لطيفة تخبر عن حال من أحوال الآخرة . ( 4 ) الصفة الرابعة بعده عن الغلظة والجفوة ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا عياب ، ولا متتبع العورات ولا صخاب ولا فحاش في القول ، وإن كان صادقا فإن النطق بهجر القول ، ولو كان وصفا صادقا لمن يرمى به فإنه لا يصح النطق به إلا إذا ترتب عليه ضياع حق أو نصرة باطل ، فإنه يذكر موضوعه ، ومن غير تخير للفاحش .