الله ، ولا تفض الخاتم إلا بحقه ، فقمت عنها ، فإن كنت تعلم أنى فعلت ذلك ابتغاء وجهك ، فافرج لنا منها فرجة ، ففرج لهم .
وقال الثالث : اللهم إني كنت استأجرت أجيرا بفرق أرز « 1 » ، فلما قضى قال أعطني حقي ، فعرضت عليه فرقه ، فرغب عنه ، فلم أزل أزرعه ، حتى جمعت منه بقرا ورعاءها ، فقال : اتق الله تعالى ، ولا تظلمني حقي . قلت : اذهب إلى تلك البقر ورعائها ، فخذها ، فقال : أتهزأ بي ، اتق الله ولا تستهزىء بي فقلت انى لا أستهزيء بك خذ ذلك البقر ورعاءها ، فأخذه فذهب .
فإن كنت تعلم أنى فعلت ذلك ابتغاء وجهك ، فرج لنا ما بقي ، ففرج الله ما بقي .
وإننا نقف عند القصة الصادقة ، فإنا نجد العبارات السهلة المستقيمة ، وبجوارها التصوير للأفعال التي تنبعث من القلوب ، ويقصد بها فاعلها وجه الله تعالى ، والحديث واضح فيه مع صدق القصة العبر والمعاني التي ذكرها الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ومنها يبرز :
أولا : أن الأعمال بالنيات ، وأن الله تعالى لا يقبل إلا الطيب من الأعمال ، ولا يكون العمل طيبا إلا إذا قصد به وجه الله ، وابتغاء ما عنده لا يريد جاها ، ولا شرفا ولا مالا ، إنما يريد الله تعالى ، كما قال عليه الصلاة والسلام : « لا يؤمن أحدكم ، حتى يحب الشئ ، لا يحبه إلا الله » .
وثانيا : أن قدر الله تعالى يسير على نظام محكم في عمله ، وبحكمة بالغة يقدرها ، وأنه سبحانه وتعالى ينزل الفرج ، لمن يتجه إليه ، وأنه يجيب دعوة المكروب ، لخير قدمه ، ولإخلاص قلبه ، وابتغاء ما عند ربه ، كما قال سبحانه وتعالى :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
« 2 » :
ويدل ثالثا : على أن الله سبحانه وتعالى يجازى المؤمن بالفعال التي يتجه فيها إلى العمل الإيجابى الذي ينفع الناس ، وخصوصا الأقربين ، كما رأيت في الخبر الذي قدمه الرجل الأول ، من إحسان إلى أبويه ، وتقديمهما على أولاده الصبية الصغار ، وتركهم يتضاغون ، ولا يزعج أبويه ، وأن ذلك الإيثار لأن الأولاد قطعة منه فتقديمهم تقديم لنفسه ، فتقديمهم أثرة ، وتقديم أبويه إيثار ، فهو ممن ينطبق عليه قول الله تعالى
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
« 3 » .
هامش
( 1 ) جاء في القاموس المحيط : الفرق بسكون الراء وفتحها وفتح الفاء مكيال بالمدينة ثلاثة أوسق ، ستة عشر رطلا ، وجمعه فرقان ، والخلاصة أنه وعاء لكيل الحب من أرز وغيره .
( 2 ) سورة الحشر : 96 .
( 3 ) سورة الحشر : 9 .