تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
وإن الجمال الفطري في القول ، والحسن اللفظي من غير تحسين ، بل السجع الذي يكون كسجع الحمام . يأتي من غير إعمال ولا قصد إليه ، حتى في بيان الحقائق الشرعية ، ودقيق المعاني الفقهية ، ففي بيان الشروط الباطلة المقترنة بالعقود ، وأساس البطلان فيها ، يقول عليه الصلاة والسلام « ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله . ما كان من شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل ، وإن كان مائة شرط ، قضاء الله حق ، وشرط الله تعالى أوثق ، وإنما الولاء لمن أعتق » . ألا ترى أنه كلام جميل جاء في نسق محكم ، والحسن فيه باد من غير تحسين ، والجمال فيه بارز من غير تجميل ، وهو مع كل هذا فقه عميق ، يدرك مغزاه الفقهاء ، ويعرف معناه من لم يبلغوا في الفقه شأوا . وإنه لواضح كل الوضوح أنه جاء عفو الخاطر ، ولم يكن بإجهاد فكر ، وتجميع ألفاظ وتنسيق كلمات ، إنما كان المعنى الجيد القاصد في اللفظ المحكم المصور الواضح . ( و ) وإنه أحيانا يجيء كلامه القصصى الذي يحكى قصة في أسلوب تصويري ، تنطق فيه حقائق القصة وأبواب العبرة في كلام مرسل سهل ، يمكن القارئ أو السامع من أن يصل إلى غايتها ، ويدرك معاني هدفها الصادق من غير إسراف في اللفظ ، ولا نقص في الأداء ، ولكن وفاء وكمال في غير حشو ، ولا لغو ، وإليك قصة أصحاب الغار ، كما روى البخاري وغيره : « بينما ثلاثة نفر يمشون فأخذهم المطر ، فآووا إلى غار في جبل ، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل ، فانطبقت عليهم ، فقال بعضهم لبعض : انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله ، فادعوا الله تعالى بها لعل الله يفرجها عنكم ، فقال أحدهم . اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران ، وامرأتي ، ولى صبية صغار أرعى عليهم ، فإذا رحت عليهم حلبت فبدأت بوالدىّ فسقيتهما قبل بني ، وإنه نأى بي ذات يوم الشجر ، فلم ات حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما ، فحلبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب ، فقمت عند رؤسهما ، أكره أن أوقظهما من نومهما ، وأكره أن أسقى الصبية قبلهما والصبية يتضاغون عند قدمي ، فلم يزل ذلك دأبى ودأبهم حتى طلع الفجر ، فإن كنت تعلم أنى فعلت ذلك ابتغاء وجهك ، فافرج لنا منها فرجة نرى منها السماء . ففرج الله منها فرجة ، فرأوا منها السماء . وقال الآخر اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء ، وطلبتها فأبت ، حتى اتيها بمائة دينار فتعبت حتى جمعت لها مائة دينار فجئتها بها ، فلما وقعت بين رجليها قالت يا عبد الله اتق