أن يصدوك ، * ( عن الذي أوحينا إليك ) * ، كقوله سبحانه في المائدة : * ( واحذرهم أن يفتنوك ) * ، يعنى يصدوك ، * ( عن بعض ما أنزل الله إليك ) * [ المائدة : 49 ] ، وذلك أن
ثقيفاً أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : نحن إخوانك ، وأصهارك ، وجيرانك ، ونحن خير أهل نجد لك
سلماً ، وأضره عليك حرباً ، فإن نسلم تسلم نجد كلها ، وإن نحاربك يحاربك من وراءنا ،
فأعطنا الذي نريد ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' وما تريدون ؟ ' ، قالوا نسلم على ألا تجش ، ولا
نعش ، ولا نحني ، يقولون : على ألا نصلي ، ولا نكسر أصناماً بأيدينا ، وكل رباً لنا على
الناس فهو لنا ، وكل رباً للناس فهو عنا موضوع ، ومن وجدناه في وادي وج يقطع
شجرها انتزعنا عنه ثيابه ، وضربنا ظهره وبطنه ، وحرمته كحرمة مكة ، وصيده وطيره
وشجره ، وتستعمل على بني مالك رجلاً ، وعلى الأحلاف رجلاً ، وأن تمتعنا باللات
والعزى سنة ولا نكسرها بأيدينا من غير أن نعبدها ؛ ليعرف الناس كرامتنا عليك وفضلنا
عليهم .
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' أما قولكم : لا تجشي ، ولا نعشي ، والربا ، فلكم ، وأما
قولكم : لا نحني ، فإنه لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود ' ، قالوا : نفعل ذلك ،
وإن كان علينا فيه دناءة ، ' وأما قولكم : لا نكسر أصنامنا بأيدينا ، فإنا سنأمر من يكسرها
غيركم ' ، ثم سكت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : تمتعنا باللات سنة ، فأعرض عنهم ، وجعل يكره
أن يقول : لا ، فيأبون الإسلام ، فقالت ثقيف للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] : إن كان بك ملامة العرب في
كسر أصنامهم وترك أصنامنا ، فقل لهم : إن ربي أمرني أن أقر اللات بأرضهم سنة .
فقال عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، عند ذلك : أحرقتم قلب النبي صلى الله عليه وسلم بذكر
اللات ، أحرق الله أكبادكم ، لا ، ولا ونعمة ، غير أن الله عز وجل لا يدع الشرك في
أرض يعبد الله تعالى فيها ، فإما أن تسلموا كما يسلم الناس ، وإما أن تلحقوا بأرضكم ،
فأنزل الله عز وجل : * ( وإن كادوا ليفتنونك ) * ، يقول : وإن كادوا ليصدونك ، * ( عن الذي أوحينا إليك ) * * ( لتفتري علينا غيره ) * ، يقول سبحانه : لتقول علينا غيره ما لم
نقل ؛ لقولهم للنبي صلى الله عليه وسلم : قل إن الله أمرني أن أقرها ، * ( وإذا لاتخذوك خليلا ) * [ آية :
73 ] ، يعنى محباً ، نظيرها في الفرقان : * ( فلانا خليلا ) * [ الفرقان : 28 ] ، يعنى محباً ،
لطواعيتكم إياهم على ما أرادوك عليه إذاً لأحبوك .
* ( ولولا أن ثبتناك ) * يا محمد بالسكوت ، فأمرت بكسر الآلهة ، إذاً لركنت إلى
المعصية ، * ( لقد كدت تركن ) * ، تقول : لقد هممت سويعة أن تميل ، * ( إِليهم شيئاً
تفسير مقاتل بن سليمان — صفحة 267
مساهمون: مقاتل بن سليمان
ص٢٦٧