متابعة الأمر وامتثال المأمور به * ( فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ) * أي : إن
أعرضوا عن ذلك أيضاً ، فهم كفار منكرون محجوبون ، والله لا يحب من كان كافراً .
فبترك الطاعة يلزم الكفر ، وبترك المتابعة لا يلزم ، لأن تارك المتابعة يمكن أن يكون
مطيعاً بمتابعة الأمر . ومعنى * ( أطيعوا الله والرسول ) * : أطيعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله
تعالى : * ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) * [ النساء ، الآية : 80 ] .
* ( إن الله اصطفى آدم ونوحا ) * الاصطفاء أعم من المحبة والخلة ، فيشمل الأنبياء
كلهم لأنهم خيرة الله وصفوته ، وتتفاضل فيه مراتبهم ، كما قال تعالى : * ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ) * [ البقرة ، الآية : 253 ] ، فأخص المراتب هو المحبة ، وأشار إليه
بقوله تعالى : * ( ورفع بعضهم درجات ) * [ البقرة ، الآية : 253 ] فلذلك كان أفضلهم حبيب الله
محمداً صلى الله عليه وسلم ثم الخلة التي هي صفة إبراهيم عليه السلام ، وأعمها الاصطفاء ، أي :
صفة آدم عليه السلام * ( ذرية بعضها من بعض ) * في الدين والحقيقة ، إذ الولاية
قسمان : صورية ومعنوية ، وكل نبي يتبع نبياً آخر في التوحيد والمعرفة ، وما يتعلق
بالباطن من أصول الدين فهو ولده كأولاد المشايخ في زماننا هذا . وكما قيل : الآباء
ثلاثة : أب ولدك ، وأب رباك ، وأب علمك . فكما أن وجود البدن في الولادة
الصورية يتولد في رحم أمه من نطفة أبيه ، فكذلك وجود القلب في الولادة الحقيقية
يظهر في رحم استعداد النفس من نفحة الشيخ والمعلم . وإلى هذه الولادة أشار عيسى
عليه السلام بقوله : ' لن يلج ملكوت السماوات من لم يولد مرتين ' .
واعلم أن الولادة المعنوية أكثرها يتبع الصورية في التناسل ، ولذلك كان الأنبياء
في الظاهر أيضاً نسلاً ، ثم ثمر شجرة واحدة ، فإن عمران بن يصهر أبا موسى وهارون
كان من أسباط لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، وعمران بن ماثان أبا مريم أم
عيسى عليه السلام كان من أسباط يهود بن يعقوب ، وكون محمد عليه صلى الله عليه وسلم
من أسباط إسماعيل بن إبراهيم مشهور وكذا كون إبراهيم من نوح عليه السلام . وسببه
أن الروح في الصفاء والكدورة يناسب المزاج في الاعتدال وعدمه وقت التكون ، فلكل
مزاج يناسبه ويخصه ، إذ الفيض يصل بحسب المناسبة وتفاوت الأرواح في الأزل
بحسب صنوفها ومراتبها في القرب والبعد ، فتتفاوت الأمزجة بحسبها في الأبد لتتصل
بها . والأبدان المتناسلة بعضها من بعض متشابهة في الأمزجة على الأكثر ، اللهم إلا
لأمور عارضة اتفاقية ، فكذلك الأرواح المتصلة بها متقاربة في الرتبة ، متناسبة في
الصفة . وهذا مما يقوي أن المهدي عليه السلام من نسل محمد صلى الله عليه وسلم .
[ تفسير سورة آل عمران من آية 35 إلى
تفسير ابن عربي — صفحة 125
مساهمون: ابن عربي
ص١٢٥