والإدراكات الوهمية والخيالية ، لا يفرغ إليها ، فإذا فارقت نفسه جسدها ولم يبق ما
يشغلها عن هيئاتها ونقوشها وجدت ما عملت من خير أو شر محضراً ، فإذا كان شراً
تتمنى بعد ما بينها وبين ذلك اليوم أو ذلك العمل لتعذيبها به ، فتصير تلك الهيئات
والنقوش صورتها إن كانت راسخة وإلا وجدت جزاءها بحسبها وتكرر * ( ويحذركم الله نفسه ) * تأكيداً لئلا يعملوا ما يستحقون به عقابه * ( والله رؤوف بالعباد ) * فلذا يحذرهم
عن السيئات تحذير الوالد المشفق لولده عما يوبقه .
[ تفسير سورة آل عمران آية ] 31 ]
* ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) * لما كان عليه صلى الله عليه وسلم
حبيبه فكل من يدعي المحبة لزمه اتباعه لأن محبوب المحبوب محبوب ، فتجب محبة
النبي ، ومحبته إنما تكون بمتابعته وسلوك سبيله قولاً وعملاً وخلقاً وحالاً وسيرة
وعقيدة ، ولا تمشي دعوى المحبة إلا بهذا فإنه قطب المحبة ومظهره وطريقته طلسم
المحبة ، فمن لم يكن له من طريقته نصيب لم يكن له من المحبة نصيب ، وإذا تابعه
حق المتابعة ناسب باطنه وسره وقلبه ونفسه باطن النبي صلى الله عليه وسلم وسره وقلبه ونفسه وهو
مظهر المحبة . فلزم بهذه المناسبة أن يكون لهذا المتابع قسط من محبة الله تعالى بقدر
نصيبه من المتابعة ، فيلقي الله تعالى محبته عليه ويسري من باطن روح النبي صلى الله عليه وسلم نور
تلك المحبة إليه ، فيكون محبوباً لله ، محباً له ، ولو لم يتابعه لخالف باطنه باطن
النبي صلى الله عليه وسلم ، فبعد عن وصف المحبوبية وزالت المحبية عن قلبه أسرع ما يكون ، إذ لو
لم يحبه الله تعالى لم يكن محباً له * ( ويغفر لكم ذنوبكم ) * كما غفر لحبيبه . قال
تعالى : * ( ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) * [ الفتح ، الآية : 2 ] وذنبه المتقدم ذاته ،
والمتأخر صفاته ، فكذا ذنوب المتابعين كما قال تعالى : ' لا يزال العبد يتقرب
إلي . . . . ' إلى آخر الحديث . * ( والله غفور ) * يمحو ذنوب صفاتكم وذواتكم * ( رحيم ) *
يهب لكم وجوداً وصفات حقانية خيراً منها . ثم نزل عن هذا المقام لأنه أعز من
الكبريت الأحمر .
ودعاهم إلى ما هو أعم من مقام المحبة ، وهو مقام الإرادة .
[ تفسير سورة آل عمران من آية 32 إلى آية 34 ]
فقال : * ( قل أطيعوا الله والرسول ) * أي : إن لم تكونوا محبين ولم تستطيعوا
متابعة حبيبي فلا أقل من أن تكونوا مريدين ، مطيعين لما أمرتم به ، فإن المريد يلزمه
تفسير ابن عربي — صفحة 124
مساهمون: ابن عربي
ص١٢٤