37
* ( والله سميع ) * حين قالت امرأة عمران : * ( رب إني نذرت ) * إلى قولها :
* ( عليم ) * بنيتها كما شهدت بقولها * ( إنك أنت السميع العليم ) * . واعلم أن النيات
وهيئات النفس مؤثرة في نفس الولد ، كما أن الأغذية مؤثرة في بدنه . فمن كان غذاؤه
حلالاً طيباً وهيئات نفسه نورية ونياته صادقة حقانية ، جاء ولده مؤمناً صديقاً أو ولياً أو
نبياً . ومن كان غذاؤه حراماً وهيئات نفسه ظلمانية خبيثة ونياته فاسدة رديئة جاء ولده
فاسقاً أو كافراً خبيثاً . إذ النطفة التي يتكون الولد منها متولدة من ذلك الغذاء ، مرباة
بتلك النفس ، فتناسبها . ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' الولد سر أبيه ' ، فكان صدق مريم
وبنوة عيسى عليهما السلام بركة صدق أبيها * ( وجد عندها رزقا ) * يجوز أن يراد به
الرزق الروحاني من المعارف والحقائق والعلوم والحكم الفائضة عليها من عند الله ، إذ
الاختصاص بالعندية يدل على كونها من الأرزاق اللدنية .
[ تفسير سورة آل عمران من آية 38 إلى آية 42 ]
* ( هنالك دعا زكريا ربه ) * كان زكريا شيخاً هرماً ، وكان مقدماً للناس ، إماماً ،
طلب من ربه ولداً حقيقياً يقوم مقامه في تربية الناس وهدايتهم كما أشار إليه في سورة
( كهيعص ) فوهب له يحيى من صلبه بالقدرة ، بعدما أمر باعتكاف ثلاثة أيام ولك
التأويل بالتطبيق على أحوالك وتفاصيل وجودك كما علمت ، وهو أن الطبيعة
الجسمانية ، أي : القوة البدنية . امرأة عمران الروح نذرت ما في قوتها من النفس
المطمئنة لله تعالى بانقيادها لأمر الحق ومطاوعتها له ، فوضعت أنثى النفس فكفلها
الله ، زكريا الفكر ، بعدما تقبلها لكونها زكية ، قدسية ، فكلما دخل عليها زكريا الفكر
محراب الدماغ وجد عندها رزقاً من المعاني الحدسية التي انكشفت عليها بصفائها من
غير امتياز الفكر إياها . فهنالك دعا زكريا الفكر ، تركيب تلك المعاني واستوهب من
تفسير ابن عربي — صفحة 126
مساهمون: ابن عربي
ص١٢٦