الله ولداً طيباً مقدساً عن لوث الطبيعية ، فسمع الله دعاءه ، أي : أجاب ، فنادته ملائكة
القوى الروحانية وهو قائم بأمره في تركيب المعلومات ، يناجي ربه باستنزال الأنوار ،
ويتقرب إليه بالتوجه إلى عالم القدس في محراب الدماغ .
* ( أن الله يبشرك بيحيى ) * العقل بالفعل * ( مصدقا ) * بعيسى القلب ، مؤمناً به ، وهو
كلمة من الله لتقدسه عن عالم الأجرام والتولد عن المواد * ( وسيدا ) * لجميع أصناف
القوى * ( وحصورا ) * مانعاً نفسه عن مباشرة الطبيعة الجسمانية وملابسة طبائع القوى
البدنية * ( ونبيا ) * بالإخبار عن المعارف والحقائق الكلية ، وتعليم الأخلاق الجميلة ،
والتدابير السديدة بأمر الحق * ( من الصالحين ) * . ومن جملة المفارقات والمجردات التي
تصلح بأفعالها أن تكون من مقربي حضرة الله تعالى بعد أن بلغ الفكر كبر منتهى طوره
ولم يكن منتهياً إلى إدراك الحقائق القدسية ، والمعارف الكلية . وكانت امرأته التي هي
طبيعة الروح النفسانية لأنها محل تصرف الفكر عاقراً بالنور المجرد .
وعلامة ذلك ، أي : علامة حصول النور المجرد وظهوره من النفس الزكية ،
إمساكه عن مكالمة القوى البدنية في تحصيل مطالبهم ومآربهم ومخالطتهم في فضول
لذاتهم وشهواتهم ثلاثة أيام ، كل يوم عقد تام من أطوار عمره عشر سنين ، إلا أن
يرمز إليهم بإشارة خفية ، ويأمرهم بتسبيحهم المخصوص بكل واحد منهم من غير أن
يدنو منهم في مقاصدهم ، وأن يشتغل في الأيام الثلاثة التي مداها ثلاثون سنة من
ابتداء سن التمييز ، الذي هو العشر الأول ، بذكر ربه في محراب الدماغ والتسبيح
المخصوص به دائماً .
[ تفسير سورة آل عمران من آية 42 إلى آية 46 ]
وكذا قالت ملائكة القوى الروحانية لمريم النفس الزكية الطاهرة . * ( إن الله اصطفاك ) * لتنزهك عن الشهوات * ( وطهرك ) * عن رذائل الأخلاق والصفات المذمومة
* ( واصطفاك على نساء ) * نفوس الشهوانية الملونة بالأفعال الذميمة والملكات الرديئة * ( يا مريم ) * أطيعي لربك بوظائف الطاعات والعبادات * ( واسجدي ) * في مقام الانكسار والذل
والافتقار والعجز والاستغفار * ( واركعي ) * في مقام الخضوع والخشوع مع الخاضعين .
تفسير ابن عربي — صفحة 127
مساهمون: ابن عربي
ص١٢٧