تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
هذا جواب عن قول أبي موسى أنه سيتابعني ، وأشار إلى أنه لو تابعه لخالف صريح السنة التي عنده ، وأنه لو خالفها عامداً لضل . قوله : ( أقضى فيها ) أي في هذه المسألة أو في هذه القضية ( بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم ) والذي قضاه هو قوله : ( للابنة النصف . . . ) إلى آخره ، وفي رواية الدارقطني من طريق حجاج بن أرطأة عن عبد الرحمن بن ثروان : فقال ابن مسعود : كيف أقول يعني مثل قول أبي موسى وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ؟ . . . فذكره ، وكانت هذه القضية في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه . لأنه هو الذي أمَّر أباه موسى على الكوفة ، وكان ابن مسعود قبل ذلك أميرها ثم عزل قبل ولاية أبي موسى عليها بمدة . قوله : ( فأتينا أباه موسى ) فيه إشعار بأن هزيلاً الراوي المذكور توجه مع السائل إلى ابن مسعود فسمع جوابه ، فعاد ، إلى أبي موسى معه فأخبره ، فلذلك ذكر المزي في ( الأطراف ) : هذا الحديث من رواية هزيل عن ابن مسعود . قوله : ( ما دام هذا الحبر ) بفتح الحاء وسكون الباء الموحدة وبالراء ، وأراد به ابن مسعود ، والحبر هو الذي يحسن الكلام ويزينه . وذكر الجوهري الحبر بالفتح والكسر ورجح الكسر ، وجزم الفراء بالكسر ، وقال سمي : بالحبر الذي يكتب به . قلت : هو بالفتح في رواية جميع المحدثين ، وأنكر أبو الهيثم الكسر . وفيه : أن الحجة عند التنازع سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فيجب الرجوع إليها . وفيه : بيان ما كانوا عليه من الإنصاف والاعتراف بالحق والرجوع إليه وشهادة بعضهم لبعض بالعلم والفضل وكثرة اطلاع ابن مسعود على السنة ، وتثبت أبي موسى عن الفتيا حيث دل على من ظن أنه أعلم منه . قال ابن بطال : ولا خلاف بين العلماء فيما رواه ابن مسعود ، وفي جواب أبي موسى إشعار بأنه رجع عما قاله ، وقال أبو عمر : لم يخالف في ذلك إلاَّ أبو موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة الباهلي ، وقد رجع أبو موسى عن ذلك ، ولعل سلمان أيضاً رجع كأبي موسى ، وسلمان هذا مختلف في صحبته وله أثر في فتوح العراق أيام عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما ، واستشهد في زمان عثمان وكان يقال له : سلمان الخيل ، لمعرفته بها ، وقال ابن العربي : يؤخذ من قصة أبي موسى وابن مسعود جواز العمل بالقياس قبل معرفة الخبر والرجوع إلى الخبر بعد معرفته ، ونقض الحكم إذا خالف النص . 9 ( ( بابُ مِيراثِ الجَدِّ مَعَ الأبِ والإخْوَةِ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم ميراث الجد الذي من قبل الأب مع الأب والأخوة الأشقاء ، ومن الأب وقد انعقد الإجماع على أن الجد لا يرث مع وجود الأب . وقال أبُو بَكْرٍ ابنُ عَبَّاسٍ وابنُ الزُّبَيْرِ : الجَدُّ أبٌ أي : الجد الصحيح أب أي : حكمه حكم الأب عند عدمه بالإجماع . والجد الصحيح هو الذي لا يدخل في نسبته إلى الميت أم ، وقد يطلق على الجد أب في قوله عز وجل : * ( كما أخرج أبويكم من الجنة ) * ( الأعراف : 72 ) والمخرج من الجنة آدم جدنا الأعلى فإذا أطلق على الجد الأعلى أب فإطلاقه على أب الأب بطريق الأولى ، فإذا كان أباً فله أحوال ثلاث : الفرض المطلق والفرض والنصيب والتعصيب المحض فهو كالأب في جميع أحواله إلاَّ في أربع مسائل فإنه لا يقوم مقام الأب فيها . الأولى : أن بني الأعيان والجدات كلهم يسقطون بالأب بالإجماع ولا يسقطون بالجد إلاَّ عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه . الثالثة : أن الأم مع أحد الزوجين والأب تأخذ ثلث ما يبقى ، ومع الجد تأخذ ثلث الجميع إلاَّ عند أبي يوسف فإن عنده الجد كالأب فيه . والثانية : أن أم الأب ، وإن علت تسقط بالأب ولا تسقط بالجد وإن علت . الرابعة : أن المعتق إذا ترك أبا المعتق وابنه فسدس الولاء للأب والباقي للابن عند أبي يوسف ، وعندهما : كله للابن ، ولو ترك ابن المعتق وجده فالولاء كله للابن بالاتفاق ، وهذا هو شرح كلام هؤلاء الصحابة ، ولم أر أحداً من الشراح ذكر شيئاً من ذلك . وقال بعضهم : قوله : ( الجد أب ) أي : هو أب حقيقة . قلت : لم يقل بذلك أحد ممن يميز بين الحقيقة والمجاز ، وأما قول أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، فوصله الدارمي بسند على شرط مسلم عن أبي سعيد الخدري : أن أبا بكر جعل الجد أباً . وأما قول ابن عباس فأخرجه