Skip to main content

الملل والنحل — Page 200

Contributors:

P.200
ولا أن يكون ما يعلمه في نظام الأمر الممكن وجوده الضروري حصوله لتمهيد نظام الخير لا يوجد بل كيف يجوز أن لا يوجد وما هو متعلق بوجوده ومبني على وجوده موجود فلابد إذن من نبي هو إنسان متميز من بين سائر الناس بآيات تدل على أنها من عند ربه تعالى يدعوهم إلى التوحيد ويمنعهم من الشرك ويسن لهم الشرائع والأحكام ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن التباغض والتحاسد ويرغبهم في الآخرة وثوابها ويضرب لهم للسعادة والشقاوة أمثالا تسكن إليها نفوسهم وأما الحق فلا يلوح لهم منه إلا أمرا مجملا وهو أن ذلك شيء لا عين رأته ولا أذن سمعته ثم تكريره عليهم العبادات ليحصل لهم بعده تذكر المعبود بالتكرير والمذكرات إما حركات وإما إعدام حركات تقضي إلى حركات فالحركات كالصلوات وما في معناها وإعدام الحركات كالصيام ونحوه وإن لم يكن لهم هذه المذكرات تناسوا جميع ما دعاهم إليه مع انقراض قرن أو قرنين وينفعهم ذلك أيضا في المعاد منفعة عظيمة فإن السعادة في الآخرة بتنزيه النفس عن الأخلاق الرديئة والملكات الفاسدة فيتقرر لها بذلك هيئة الإنزعاج عن البدن وتحصل لها ملكة التسلط عليه فلا تنفعل عنه وتستفيد منه ملكة الالتفات إلى جهة الحق والإعراض عن الباطل وتصير شديدة الاستعداد للتخلص إلى السعادة بعد المفارقة البدنية وهذه الأفعال لو فعلها فاعل ولم يعتقد أنها فريضة من عند الله تعالى وكان مع اعتقاده ذلك يلزمه في كل فعل أن يتذكر الله ويعرض عن غيره لكان جديرا بأن يفوز من هذا الذكاء بحظ فكيف إذا استعملها من يعلم أن النبي من عند الله تعالى وبإرسال الله تعالى وواجب في الحكمة الإلهية إرساله وأن جميع ما سنه فإنما هو ما وجب من عند الله أن يسنه وأنه متميز عن سائر الناس بخصائص بالغة وواجب الطاعة وبآيات ومعجزات دلت على صدقه وسيأتي شرح ذلك في الطبيعيات لكنك تحدس مما سلف آنفا أن الله تعالى كيف رتب النظام في الموجودات وكيف سخر الهيولى مطيعة للنفوس بإزالة صورة وإثبات