شرح
في أدلَّة جواز التقليد
الجهة الثالثة :
فيما يدلّ على جواز التقيد ورجوع الجاهل إلى العالم في باب التكاليف والأحكام ، وفي هذه الجهة تارة يبحث عمّا هو مستند العامي في التقليد وحامل له عليه ، وبعبارة أُخرى ما يكون محرّكاً للجاهل على أن يرجع إلى العالم بعد علمه بثبوت التكاليف إجمالاً ، وأُخرى فيما هو مقتضى الأدلَّة ممّا يستنبطه المجتهد منها في هذا الباب .
أمّا من الحيثيّة الأولى : فمن الواضح أنّ ما يمكن أن يكون مستنداً للعامي وحاملاً له على التقليد ليس إلَّا حكم عقله بذلك ، قال المحقّق الخراساني ( قدّس سرّه ) في الكفاية : إنّ جواز التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم في الجملة يكون بديهيّاً جبليّاً فطرياً لا يحتاج إلى دليل ، وإلَّا لزم سدّ باب العلم به على العامي مطلقاً غالباً ؛ لعجزه عن معرفة ما دلّ عليه كتاباً وسنّة ، ولا يجوز التقليد فيه أيضاً ، وإلَّا لدار أو تسلسل « 1 » .
وهذا الكلام وإن نوقش فيه بمنع كون هذا الحكم فطرياً ، نظراً إلى أنّ القضايا الفطرية ما كانت قياساتها معه ككون الأربعة زوجاً لانقسامها إلى متساويين ، وما هو فطريّ بهذا المعنى إنّما هو كون العلم نوراً لا لزوم رفع الجهل بالعلم فضلاً عن التقليد ، وبمنع كونه جبليّاً ، فإنّ ما هو جبليّ في الاصطلاح إنّما هو شوق النفس إلى كمالها لا مثل المقام ، إلَّا أنّ وضوح حكم العقل بذلك وبداهة إدراكه جواز الرجوع ممّا لا تنبغي المناقشة فيه أصلاً .
وأمّا من الحيثيّة الثانية : فالدليل عليه مضافاً إلى حكم العقل المذكور أُمور :
أحدها :
بناء العقلاء على رجوع الجاهل في كلّ صنعة إلى العالم بها ، ولا
هامش
« 1 » كفاية الأُصول : 539 .