شرح
ومن الواضح أنّ العدالة المعتبرة في الموارد الكثيرة لا يكاد يكون المراد بها هذا المعنى الذي هو تلو مرتبة العصمة .
وقد يكون الرادع عن ارتكاب المعصية مع وجود المقتضي لها رجاء الثواب أو الخوف من العقاب ، كما لعلَّه الغالب في آحاد المكلَّفين ، وهذا المعنى من العدالة هو المراد منها في موضوع جملة من الأحكام الشرعيّة .
ثمّ إنّ الرادع عن ارتكاب المحرّم إذا لم يكن هو الخوف أو الرجاء فلا يخلو إمّا أن يكون أمراً محرّماً في نفسه كالرياء ، ومن البديهي أنّ ذلك لا يكون من العدالة في شيء ، بل هو محكوم بالفسق ، وإمّا أن يكون أمراً مباحاً ، كما إذا كان الرادع الشرافة والجاه والخوف عن السقوط عن أعين الناس ، وفي هذه الصورة يكون المكلَّف خارجاً عن عنواني العادل والفاسق معاً .
فانقدح أنّ العدالة هي الاستقامة العملية في جادّة الشرع بداعي الخوف من الله أو رجاء الثواب ؛ وهي صفة عملية ولا تكون من الأوصاف النفسية ، لكنّه يعتبر أن تكون هذه الاستقامة مستمرّة بحيث تصير كالطبيعة الثانوية للمكلَّف ، فالاستقامة في زمان دون زمان كما في شهر رمضان ، أو مكان دون مكان كما في المساجد والمشاهد لا تكون عدالة أصلاً . نعم ، لا يضرّ بها ارتكاب المعصية في بعض الأحيان لغلبة الشهوة أو الغضب فيما إذا ندم بعد الارتكاب « 1 » .
ويرد عليه بعد وضوح أنّه ليس المراد بالاستقامة هي الاستقامة فيما مضى فقط أو بضميمة الحال ، بل الاستقامة الدائمية المطلقة الحاصلة بترك المحرّم والإتيان بالواجب في الاستقبال أيضاً أنّ هذا النحو من الاستقامة الناشئة عن الخوف أو الرجاء لا تكاد تنفك عن الملكة ، فإنّ القائل باعتبار الملكة في العدالة لا يريد بها إلَّا الحالة التي إذا اطَّلع الغير عليها يطمئنّ بعدم صدور المعصية من صاحبها إلَّا أن يحاط به ويغلب عليه الشهوة أو الغضب على خلاف العادة ،
هامش
« 1 » التنقيح في شرح العروة الوثقى ، الاجتهاد والتقليد : 254 257 .