شرح
له على التقليد كما عرفت ليس إلَّا إدراك عقله وحكمه برجوع الجاهل إلى العالم « 1 » ، فلو كان حكم العقل أيضاً مفتقراً إلى الإمضاء من الشارع لكان باب التقليد منسدّاً عليه ؛ لعدم اطلاع العامي على الإمضاء كما هو واضح .
أنّه إن أراد أنّ السيرة العقلائيّة غير جارية في مقام العمل على الرجوع إلى آراء الأموات وترتيب الأثر عليها وجعلها طريقاً لرفع الجهل فمن الواضح خلافه ، لما نراه بالوجدان من مراجعتهم إلى كتب الأقدمين في الفنون المختلفة في جميع الأعصار وأخذ الآراء منها والاستفادة وترتيب الأثر عليها ، بحيث لا يفرّقون بينها وبين الكتب المصنّفة في حياتهم أصلاً ، فالسيرة العملية العقلائية جارية في كلا الأمرين من دون ارتياب في البين .
وإن أراد أنّ السيرة العقلائيّة وإن كانت عامّة في مقام العمل إلَّا أنّه لا بدّ من ورودها في محيط الشرع ، وجريانها في الأُمور المضافة إلى الشارع حتى يكون عدم الردع كاشفاً عن تصويبه ورضاه بذلك ، فيرد عليه أنّ عدم الردع الكاشف عن الإمضاء لا يتوقّف على ذلك ، بل يكفي مجرّد جريان السيرة على معنى عام يكون الأمر الشرعي أيضاً من مصاديقه ، ألا ترى أنّ حجيّة ظواهر الكتاب المستفادة من سيرة العقلاء بضميمة عدم الردع لا يكون منشؤها جريان السيرة في ظواهر الكتاب ، وعدم ردع الشارع عنها ، بل جريان السيرة على العمل بكلّ ظاهر ، وعدم الردع عنها في الشرعيّات كاف في استكشاف رضا الشارع وإمضائه ، كما لا يخفى .
ويرد على التقريب الذي أفاده بعض الأعلام أنّ انحصار مرجع التقليد في مثل الشيخ ( قدّس سرّه ) لا يكون مخالفاً لما هو ضروري من المذهب . غاية الأمر أنّه مخالف للإجماع ؛ لانعقاده على عدم جواز تقليد الميّت ابتداءً ، وقد عرفت أنّه لا تجتمع دعوى الضرورة من المذهب مع المناقشة في الإجماع ، ودعوى عدم كونه كاشفاً عن موافقة المعصوم ( عليه السّلام ) « 2 » ؛ لاحتمال استناد المجمعين إلى مثل أصالة الاشتغال .
هامش
« 1 » في ص 60 وما بعدها .
« 2 » في ص 172 .