شرح
على آرائه وفتاويه نوعاً ثالثاً .
والجواب عنه :
مضافاً إلى ما عرفت من أنّه خلاف ما هو المفروض في المقام أنّ مفهوم الأعلم في الفقه لا يغاير مفهومه في سائر الفنون والصنائع والحرف والعلوم ، فإنّ المراد به ليس إلَّا مَن كان أعلم بالقواعد التي يتركَّب منها العلم ، وأجود استنباطاً ، وأحسن سليقة في تطبيق الكبريات على صغرياتها ، وتشخيص المورد لها ، فإنّ الأعلم في الطبّ مثلاً ليس إلَّا من كان أعلم بقواعد هذا العلم ، وأحسن في تشخيص المورد وتطبيق القاعدة عليه ، فكذا في علم الفقه .
غاية الأمر اختلاف علم الفقه مع سائر العلوم في كون قواعده محتاجة إلى الاستنباط وإعمال دقّة النظر ؛ لعدم ابتنائه على الأُمور المحسوسة كأكثر العلوم ، وهذا لا يوجب الخفاء في مفهوم الأعلم كما هو غير خفي ، وتشخيص مصداقه ليس أشدّ حرجاً وأكثر صعوبة من تشخيص أصل الاجتهاد ، وكون الرجل بالغاً إلى ذلك الحدّ ، بل يثبت كلّ منهما بالعلم الوجداني وبالشياع وبالبيّنة ، كما سيأتي البحث عند تعرّض الماتن دام ظلَّه له « 1 » والاطَّلاع على رأي الأعلم ، خصوصاً في مثل هذه الأزمنة التي تداول فيها جمع الفتاوى في رسالة ، وطبعها وانتشارها ممكن كما هو ظاهر .
وقد انقدح من جميع ما ذكرنا أنّ مقتضى الدليل تعيّن تقليد الأعلم في الصورة الأُولى ؛ وهي ما إذا علم الاختلاف بينه وبين غيره ، وأنّ الدليل هو جريان سيرة العقلاء على الرجوع إلى الأعلم في الموارد الجامعة للخصوصيّات المفروضة في محلّ البحث وعدم ثبوت الردع عن هذه الطريقة في الشريعة ؛ لِما عرفت من عدم تماميّة شيء ممّا استدلّ به على عدم تعيّن تقليد الأعلم ، فبقيت السيرة بلا رادع ، وهو الدليل الوحيد في هذا الباب .
وقد عرفت « 2 » أنّه مع عدم دلالة الدليل يكون مقتضى حكم العقل بأصالة التعيين في دوران الأمر بينه وبين التخيير في باب الحجيّة هو تعيّن تقليد الأعلم أيضاً . غاية الأمر
هامش
« 1 » في ص 216 وما بعدها .
« 2 » في ص 122 .