شرح
ما نورده عليك من أبواب الطاعة وأنواع القربة .
قلت : ويحتمل وجها آخر وهو أن يكون المعنى حتى لا يورد عليك أحد من ملائكتك من أعمالنا إلا دون ما نورده من أبواب الطاعة إلى آخره ، فإنّ من أبواب الطاعة ما لا يعلمه الملائكة ولا يكتبونه كما يدلّ على ذلك صريحا ما رواه ثقة الإسلام في الكافي بسند حسن أو صحيح ، عن زرارة عن أحدهما عليهما السّلام قال : « لا يكتب الملك إلا ما سمع » وقد قال الله عزّ وجلّ : واذكر ربّك في نفسك تضرّعا وخيفة فلا يعلم ثواب ذلك الذكر في نفس الرّجل غير الله عزّ وجلّ لعظمته ( 1 ) .
وهذا وجه سديد ولا يخفى أنّه أنسب من الوجوه المتقدّمة ولكن الأولى أن يقدّر المستثنى أعم من جميع ما ذكر لأنّ الاستثناء مفرّغ وهو إنّما يكون في الجنس الذي لا أعمّ منه ودون وصف لموصوف محذوف ، والتقدير حتى لا يورد عليك أحد من ملائكتك شيئا من الأعمال إلا عملا دون ما نورده من أبواب الطاعة أي أقل منه كمّا وكيفا ، ودون هنا مثلها في قوله تعالى : إنّا منّا الصّالحون ومنّا دون ذلك ( 2 ) .
قال صاحب الكشّاف : أي ومنّا قوم دون ذلك فحذف الموصوف كقوله :
« وما منّا الا له مقام معلوم » ( 3 ) انتهى .
وهذا على مذهب سيبويه وجمهور البصريين من أنّ دون لا تخرج عن استعمالها ظرفا فهي في عبارة الدعاء منصوبة لفظا على الظرفيّة ومحلا على الوصفيّة .
وذهب الأخفش والكوفيّون إلى أنّه قد يتصرّف فيها نادرا فتخرج عن الظرفيّة ، وخرّج عليه الأخفش قوله تعالى : ومنّا دون ذلك فقال : إنّ دون مبتدأ ومنّا
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ص 502 ح 4 .
( 2 ) الجن : 11 .
( 3 ) الكشاف : ج 4 ص 627 .