شرح
فالمعنى على هذا حمدا تنزل المعونة على من اجتهد في الطاقة عليه والقيام به والمواظبة عليه كما ذكرنا ، وخفي معنى التعديد الذي بيّناه وشرحناه على أصحابنا الذين ترجموا الصحيفة الشريفة وعلَّقوا عليها ، فجعلوا التعديد بمعنى إحصاء الكميّة وحملوا ذلك على معنى غريب فقالوا : ( 1 ) حمدا لا يستطيع أحد إحصاءه وإن اجتهد فيه إلا بمعونتك له على عدّه وإحصاء كميّته وهذا وإن كان في نفسه معنى صحيحا إلا أنّه ممّا تتجافى عنه مضاجع الكلام وتنبو عنه مساق العبارة ، ألا ترى أنّه عليه السلام سأل أوّلا عجز الحفظة عن إحصائه وزيادته على ما أحصته الكتبة في كتابه فكيف يسأل بعد ذلك أن يكون إحصاؤه لمن اجتهد فيه ميسرا بمعونته تعالى وأيّ مبالغة في هذا السؤال بعد ذلك حتّى يكون من باب الترقي إليه ، ثمّ قوله عليه السلام في الفقرة التالية : ويؤيّد من أغرق نزعا في توفيته ، بعين ما ذكرناه على ما جرت به عادته عليه السلام في فقرات دعائه من كون الفقرة الثانية مؤافية ( 2 ) للفقرة الأولى في معناها وموافقة لها في غرضها ، وأمّا من حمل التعديد على أنّه مصدر عدد الشيء إذا جعله عدّة أي ذخرا لنوائب دهره فما أبعد ، غير أن سياق الكلام يقتضي ما ذكرناه والله يقول الحقّ ويهدي السبيل .
وأغرق في الشيء : بالغ فيه وأطنب .
ونزع القوس نزعا من باب - ضرب - مدّها ، يقال : أغرق الرامي نزعا ، أي استوفى مدّ القوس وبالغ فيه ، ونزعا : تمييز محوّل عن المفعول ، الأصل أغرق نزع القوس ، أي بالغ واطنب في مدّها وبلغ غايته ، هذا هو الأصل فيه ثم استعير لكلّ من بالغ في شيء ومنه قول أمير المؤمنين عليه السلام : لقد أغرق في النزع ( 3 ) ، أي بالغ في الأمر وانتهى فيه وقول الكميت بن زيد :
هامش
( 1 ) " الف " : فقالوا المراد : حمدا .
( 2 ) " الف " : مؤاخية .
( 3 ) نهج البلاغة : ص 287 ، الخطب 192 . وفيه : أغرق إليكم بالنزع .