شرح
بواجب لذاته ، فلم يكن تعالى موجودا بالتمثيل .
وهذه الفقرة من الدعاء كقول جدّه سيّد الأوصياء صلوات الله عليه : ولا حقيقته أصاب من مثّله ( 1 ) ، ويحتمل أن يكون المراد بتمثيله تصويره من مثّلث الشيء تمثيلا إذا صوّرته فيكون المعنى أنّه سبحانه لم تتصوّره العقول والأوهام فيتعقّل أو يتوهّم له صورة ، فيكون حاصلا عندها وموجودا فيها بصورته ، وذلك لتنزّهه تعالى عن الصورة بأنواعها ، نوعيّة كانت أو جسميّة أو شخصيّة ، لاستلزامها المحلّ والتركيب وهو تعالى منزه عن ذلك لأنّه وحدة مجردة ، وبساطة محضة لا كثرة ولا إثنينيّة فيه أصلا .
قوله عليه السلام : « ولم تلد فتكون مولودا » ولد يلد من باب - وعد - إذا حصل منه ولد .
قال المفسّرون : إنّما لم يلد لأنّه لا يجانسه شيء ليمكن أن يكون له من جنسه صاحبة فتوالدا ( 2 ) كما نطق به قوله تعالى : أنّي يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ( 3 ) ولا يحتاج إلى ما يعينه ويخلفه فيحتاج إلى أن يلد لاستحالة الحاجة والفناء عليه .
وقال الحكماء : ما ( 4 ) تولَّد عنه مثله تكون ماهيّة مشتركة بينه وبين غيره ، وكلّ ما كانت ماهيّته مشتركة بينه وبين غيره فلا يتشخّص إلا بواسطة المادّة وعلاقتها ، وكلّ ما كان ماديّا لا تكون ماهيّته هويّته لكن واجب الوجود ماهيّته هويّته ، فإذا لا يتولَّد غيره ، ولمّا كانت الوالديّة والمولوديّة أمرين متلازمين عرفا إذ المعهود أنّ ما يلد يولد وما لا فلا ، رتّب عليه قوله : « فتكون مولودا » أي فبسبب ذلك لم تكن مولودا ، وأيضا لمّا لم يكن مادّة لغيره لما علمت ، فقد انتفت عنه الماديّة فلا تكون
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : ص 272 الخطبة 186 .
( 2 ) " الف " : فتوالد .
( 3 ) سورة الأنعام : الآية 101 .
( 4 ) " الف " : كلما .