أنت الَّذي قصرت الأوهام عن ذاتيّتك ، وعجزت الأفهام عن كيفيّتك ولم تدرك الأبصار موضع أينيّتك .
شرح
معلوم حسب ما اقتضته الحكمة والمصلحة ، وقد مرّ الكلام على ذلك في شرح هذا الدعاء فلا نعيده .
قصرت الأوهام : أي عجزت ، يقال : قصرت عن الشيء قصورا من باب - قعد - أي عجزت .
غير أنّ أكثر النسخ المشهورة على ضبط قصرت بالضمّ وهو من قصر خلاف طال ، ومصدره القصر كعنب فالمعنى ( 1 ) على هذا أنّ الأوهام تناهت وانقطعت عن إدراك ذاتيّتك .
وذاتيّته تعالى : عبارة عن كنهه وحقيقته القائمة بذاتها ، فإنّ ياء النسبة إذا لحقتها التاء أفادت معنى المصدريّة كالالوهيّة والربوبيّة ، وإنّما قصرت الأوهام عن إدراك ذاتيّته تعالى ، لأنّ الوهم إنّما يتعلَّق بالأمور المحسوسة وذات الصور والأحياز ، حتّى أنّه لا يدرك نفسه إلا ويقدّرها ذات مقدار وحجم ، فلو أدرك ذاتيّته تعالى لأدركها في جهة وحيّز ذات مقدار ، وصورة شخصيّة متعلَّقة بالمحسوس ، وكلّ ذلك في حقّ الواجب المنزّه عن شوائب الكثرة محال ، ويمكن أن يراد بالوهم : النفس وقواها لأنّ النفس في معرفة الواجب كالوهم ، وقد سبق الكلام على هذا المطلب بأبسط من هذا .
والأفهام : جمع فهم وهو في الأصل بمعنى تصوّر المعنى من لفظ المخاطب ، ثم أطلق على قوّة النفس الفاهمة .
قال الراغب : وقد يطلق على العقل وإن كانت مرتبته دون مرتبة العقل ، فقوّة الفهم أن يدرك الأشياء الجزئيّة ، والعقل يدرك كلَّياتها ومعنى ذلك أنّ العقل
هامش
( 1 ) " الف " : والمعنى .