شرح
كقوله تعالى : خالق كلّ شيء ( 1 ) لاستحالة كونه تعالى مخلوقا ، والمعنى أنّه سبحانه جعل لكلّ موجود غاية ينتهي إليها وجوده ، فلا يتجاوزها حتى إذا انتهى إليها فنى وعدم ، كما وردت الإشارة إليه في القرآن المجيد بقوله تعالى : كلّ من عليها فان ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام ( 2 ) وقوله : كلّ شيء هالك إلا وجهه ( 3 ) وقوله : هو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده ( 4 ) ومعلوم أنّ الإعادة إنّما تكون بعد العدم ، وكلّ ذلك صريح في أنّ لكلّ شيء أمدا ينتهي إليه في وجوده ثم يعدمه الله سبحانه ويفنيه ، وليس بدائم الوجود غير منته إلى غاية لامتناع عدمه ، وهو الذي اتّفق عليه أهل الحقّ من الإسلاميين وغيرهم ، وأجمعوا على القضاء بصحّة فناء العالم وأجزائه وجواهره وأعراضه وفيه ردّ على الفلاسفة والفرق الزائغة ( 5 ) .
فذهب الفلاسفة إلى أنّ أجسام الأفلاك ونفوسها والعقول التي هي مباديها والجسم المشترك بين العناصر والنفوس الإنسانيّة لا غاية لبقائها ولا يتصوّر عليها الفناء والعدم ، وأمّا الأزمنة والحركات الدوريّة الفلكية فإن آحاد أشخاصها وان تصوّر عليها الفناء والعدم وكان لكلّ منها غاية وأمد فلا يتصوّر الفناء والعدم على جملتها ، بمعنى أنّه ما من زمان ولا حركة إلا وبعده زمان وحركة .
وذهب الجاحظ وابن الراوندي وجماعة من الكراميّة إلى أنّ ما وجد من الجواهر لا يتصوّر عدمه مطلقا وأنّ الله تعالى لو أراد اعدامه لم يكن ذلك مقدورا له فلا يكون لوجوده أمد وغاية ينتهي إليها تعالى الله عمّا يقول الجاحدون علوا كبيرا .
قوله عليه السلام : « وقدّرت كلّ شيء تقديرا » أي جعلت كلّ شيء بمقدار
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : الآية 102 .
( 2 ) سورة الرحمن : الآية 26 و 27 .
( 3 ) سورة القصص : الآية 88 .
( 4 ) سورة يونس : الآية 4 .
( 5 ) " الف " : الزائفة .