شرح
هذا ولمّا كان سبحانه تام الغنى والقدرة لا نقصان فيه باعتبار ، فكان غنيّا مطلقا وهو على كلّ شيء قدير ، لم يفتقر إلى وزير يوازره في خلقه ، وإلا كان مفتقرا إليه ، فلم يكن غنيّا من كل وجه ، وقد ثبت بالبرهان غناه مطلقا ، وإلا كان عاجزا عن الاستقلال بالقدرة في أمره ، فلم يكن على كلّ شيء قديرا ، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا .
قوله عليه السلام : « ولم يكن لك مشاهد ولا نظير » المشاهد اسم فاعل من شاهدته مشاهدة مثل عاينته معاينة وزنا ومعنى ، وإنّما لم يكن له سبحانه مشاهد لتنزّهه عن إدراك الحواس مطلقا ، وإنّما خصّ المشاهدة بالذكر وهي إنّما تطلق على إدراك البصر لوقوع الشبهة وقوّتها في أذهان كثير من الخلق في جواز إدراكه تعالى بهذه الحاسّة ، حتى أنّ مذهب أكثر العامّة أنّ تنزيهه تعالى عن ذلك ضلال ، بل كفر ، تعالى الله عمّا يقول العادلون .
ويحتمل أن يكون تلميحا إلى قوله تعالى في سورة الكهف : ما أشهدتهم خلق السّموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متّخذ المضلَّين عضدا ( 1 ) فإن الإشهاد وان كان بمعنى الإحضار لكنّه يستلزم المشاهدة ، بل قيل : الشهود الحضور مع المشاهدة .
قال الراغب : الشهود والشهادة : الحضور مع المشاهدة إمّا بالبصر أو بالبصيرة ( 2 ) انتهى فيكون المعنى وإن لم يكن لك مشاهد شاهد خلقك لمخلوقاتك .
وعندي أنّ هذا أشدّ ارتباطا بسياق الكلام من المعنى الأوّل فإنّ معنى الآية :
ما أحضرت إبليس وذريّته أو الظالمين أو الذين يزعمون أنّهم شركاء لي خلق
هامش
( 1 ) سورة الكهف : الآية 51 .
( 2 ) المفردات : ص 267 .