تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
شرح
لوازم المكان ، فالمراد بدنوّه تعالى : دنوّه من كلّ شيء بحسب علمه الذي لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء ، وبهذا الاعتبار هو أدنى إلى كلّ شيء من نفسه ، لأنّه تعالى هو الموجد له والعالم به . وقيل : المراد بدنوّه دنوّه وقربه بالإيجاد والتدبير والحفظ والكلاءة . وقيل : هو تمثيل لحاله تعالى في سرعة إجابته لمن دعاه ، وإنجاحه حاجة من سأله ورجاه بحال من دنا وقرب مكانه ، فإذا دعي أسرعت إجابته . وقال النظام النيسابوري : لا ذرّة من ذرّات العالم إلا ونور الأنوار محيط بها ، قاهر عليها ، قريب منها ، أقرب وأدنى من وجودها إليها ، لا بمجرّد العلم فقط ، ولا بمعنى الصنع والإيجاد فقط ، بل بضرب آخر لا يكشف المقال عنه ، إلا الخيال مع أن التعبير عن ذلك يوجب شنعة الجهّال ( 1 ) . و « في » من قوله : « في علوّه وفي دنوّه » للمصاحبة ، أي مع علوّه ودنوّه ، وقد سبق أن علوّه تعالى باعتبار كونه مبدأ كلّ موجود ومرجعه ، فهو العليّ المطلق الذي لا أعلى منه في وجوده وكمال مرتبته أشرف ، فعلوّه علوّ عقلي ، فلا ينافي دنوّه بالمعنى المذكور ، فصح أنّه دان مع علوّه ، وعال مع دنوّه ، لا كما هو حال ما عداه من استحالة اجتماع العلوّ والدنوّ فيه ، فإنّ غيره إذا استعلى على شيء كان غير دان منه ، وإذا دنى من شيء كان غير عال عليه ، فلم يكن دانيا مع علوّه ، وعاليا مع دنوّه ، وفي تعبيره ( 2 ) عليه السلام بذلك إيهام الجمع بين الضدين ، لتنزعج النفوس السليمة عند إنكار الوهم ، لاجتماع العلوّ والدنوّ في شيء واحد ، فتتوجّه إلى تعميم المقصود به ، وتطَّلع على عظمة الحقّ سبحانه ، مع ما في ذلك من إدماج الإشارة إلى أنّه ليس بزمان وزمانيّ ولا مكان ومكانيّ ، إذ لا يمكن اتّصاف شيء منها
هامش
( 1 ) تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان : ج 1 ص 193 . ( 2 ) " الف " تفسيره .