شرح
وقال بعض العارفين : الرّجاء والخوف كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطائر ، فتمّ طيرانه ، وإذا نقص أحدهما كان جاذبا له ، فيسقط على رأسه ، وإذا ذهب هلك الطائر ( 1 ) .
وقال أبو عثمان المغربيّ : من حمل نفسه على الرجاء تعطل ، ومن حمل نفسه على الخوف قنط ، ولكن ينبغي أن يخاف العبد راجيا ، ويرجو خائفا ( 2 ) .
وفي الحسن عن أبي عبد الله عليه السّلام قال : كان أبي يقول : ليس من عبد مؤمن إلا وفي قلبه نوران : نور خيفة ، ونور رجاء ، لو وزن هذا لم يزد على هذا ، ولو وزن هذا لم يزد على هذا ( 3 ) .
قال بعض الأصحاب : وذلك لأنّ المؤمن لا يخلو من قصور أسباب الخوف والرجاء ، وتجويز وقوع مقتضى كلّ واحد منهما بدلا من الآخر بحيث لا يرجّح أحدهما على الآخر ، إذ لو رجّح الرجاء لزم الأمن في غير موضعه أَ فَأَمِنُوا مكْرَ اللهِ فَلا يأْمنُ مَكْر الله إلا القَوْمُ الخَاسِرونَ ( 4 ) ، ولو رجّح الخوف لزم اليأس الموجب للهلاك « إنَّهُ لا ييأسُ مِنْ رَوحِ الله إلا القَوْمُ الكَافِرُونَ » ( 5 ) ، ومنه ظهر أنّ الخوف غير القنوط ، وأنّه والرجاء ينبغي أن يكونا متساويين مطلقا ( 6 ) .
قوله عليه السّلام « وأنت أولى من رجاه » . أولى : أفعل تفضيل ، وأصله من الولي ، بمعنى القرب والدنوّ ، فهو في الأصل بمعنى أقرب ، ثمّ استعمل بمعنى أحقّ مطلقا ، يقال : زيد أولى بهذا من عمرو ، أي أحقّ وأحرى وأجدر .
وكان سبحانه وتعالى أولى من رجاه لمعرفته بسعة رحمته وفضله ولطفه ورأفته وإحسانه على عباده ، وإجراء نعمه عليهم ، ظاهرة وباطنة ، جليّة وخفيّة ، ضروريّة وغير ضروريّة ، حين كونهم أجنّة في بطون امّهاتهم ، بلا سبق استحقاق ، ولا تقدّم
هامش
( 1 ) و ( 2 ) آداب النفس : ج 2 ص 9 .
( 3 ) الكافي : ج 2 ص 67 وص 71 ح 13 .
( 4 ) سورة الأعراف : الآية 99 .
( 5 ) سورة يوسف : الآية 87 .
( 6 ) شرح الكافية للمولى محمد صالح المازندراني : ج 8 ص 206 .