وهذا مقام من استحيى لنفسه منك ، وسخط عليها ، ورضي عنك ، فتلقّاك بنفس خاشعة ، ورقبة خاضعة ، وظهر مثل من الخطايا ،
شرح
فكأنّ المنتهك للحرمة بالغ في خرق محارم الشرع ، وإتيانها .
واجترح الذنب : اكتسبه ، أخذا من الجوارح ، أي أعضاء الإنسان التي يكتسب بها ، لأنّه يعمل بجوارحه .
وقوله : « كانت عافيتك لي من فضائحها » جملة في محلّ الخفض ، نعت للحرمات والكبائر .
والعافية : المعافاة ، مصدر جاء على فاعله ، من عافاه الله ، أي سلَّمه من المكروه ، كالخاتمة بمعنى الختم والكاذبة بمعنى الكذب .
والفضائح : جمع فضيحة ، وهي اسم من فضحه ، كمنعه ، أي كشف مساوئه وعيوبه .
والظرف من قوله : « لي » متعلَّق بالعافية .
و « من فضائحها » : يحتمل تعلَّقه بها أيضا ، وهو الظاهر ، ويحتمل أن يكون متعلَّقا بقوله : « سترا » ، وهو وإن كان اسما لما يستتر به إلا أنّه يصحّ التعلَّق به ، لتأوّله ب « ساتر » المشبّه للفعل ، ونظير ذلك قول الشاعر :
وإنّ لساني شهدة يشتفى بها * وهو على من صبّه الله علقم ( 1 )
قال ابن هشام : أصله : علقم على من صبّه الله عليه ، فعلى المحذوفة متعلَّقة ب « صبّ » ، والمذكورة متعلَّقة ب « علق » لتأوله ب « صعب ، أو شاقّ ، أو شديد » ( 2 ) والله أعلم .
الاستحياء : استفعال من الحياء ، وهو تغيّر النفس ، وانقباضها ممّا تعاب به ، أو تذمّ عليه ، يقال : استحييته ، واستحييت منه ، فيعدّي بنفسه ، ويحرف الجرّ . وفيه لغتان :
إحداهما بيائين ، وهي لغة أهل الحجاز ، وبها جاء القرآن ، وعليها عبارة الدعاء .
هامش
( 1 ) مغني اللبيب : ص 567 .
( 2 ) مغني اللبيب : ص 567 - 568 .