تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
شرح
والغدر : نقض العهد ، وهو ضدّ الوفاء . وقد يطلق على الخديعة ، وهي كلّ فعل يقصد به فاعله خلاف ما يقتضيه ظاهره . ومنه الحديث « إن بين يدي السّاعة سنين غدّارة ، يكثر فيها المطر ، ويقلّ فيها النبات » ( 1 ) . قال الزمخشريّ في الفائق : أي : تطمعهم في الخصب بالمطر ثمّ تخلف ، فجعل ذلك غدرا منها وخديعة ( 2 ) . وهذا المعنى هو المراد هنا ، لأنّ معنى فتل عنّي عذار غدره صرف عنّي وجه غدره ، أي : أعرض عن الغدر وتركه لحصول مطلوبه من الإغواء والإضلال عند مقارفة المعصية ، واستيجاب السخطة ، فلم يكن يحتاج إليه بعد ذلك . وهذا المعنى لا يناسبه إلا الغدر بمعنى الخديعة ، لا الغدر بمعنى نقض العهد ، كما لا يخفى . ولو كان المراد بالغدر نقض العهد لكان مقتضى المقام أن يقول : أظهر لي غدره . ولمّا كان الغدر بمعنى نقض العهد مستلزما للخديعة - بإظهار فاعله خلاف ما سيفعله في أوّل الأمر - أطلق عليها لفظ الغدر من باب إطلاق اسم الملزوم على اللازم . قال شيخنا البهائيّ في المفتاح : المراد أنّ الشيطان بعد حصول مراده ، من إيقاعه لي في المعصية بالحيلة والغدر ، صرف عنّي عنان غدره ، حيث حصل منّي مراده ( 3 ) . انتهى . فحمل الغدر على معنى الحيلة ، وهي الخديعة ، وإنّما فسّر العذار بالعنان ، لأنّه حمله على ما يقع على خدّ الفرس من اللجام ، وهو صحيح ، فإنّ من صرف عذار دابّته ، فقد صرف عنانها . والكلام على كلّ تقدير استعارة بالكناية مع الترشيح ، شبّه الغدر بالشخص أو
هامش
( 1 ) النهاية لابن الأثير : ج 3 ص 345 مع اختلاف يسير في العبارة . ( 2 ) الفائق في غريب الحديث : ج 3 ص 55 . ( 3 ) مفتاح الفلاح : ص 278 .