شرح
وهذا قريب من قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه في خطبة له « فأعطاه الله النظرة استحقاقا للسخطة ، واستتماما للبليّة ، وإنجازا للعدّة ، فقال : إنّك من المنظرين . إلى يوم الوقت المعلوم » ( 1 ) .
قوله عليه السّلام : « فأوقعني وقد هربت » إلى آخره . الفاء : عاطفة للجملة على استحوذ .
ووقع وقوعا : سقط ، وأوقعه غيره إيقاعا : أسقطه .
وفي الأساس : وقع الشيء على الأرض وقوعا ، وأوقعته إيقاعا ( 2 ) .
وفي ديوان الأدب : أوقعه فوقع ( 3 ) وجملة قوله « وقد هربت » حاليّة ، وأي أوقعني والحال إنّي قد هربت ، أي : حال هربي إليك .
والهرب إليه تعالى من الذنوب : عبارة عن الإقبال عليه تعالى ، والإعراض عنها ، والعزم على اجتنابها .
فالمراد بايقاع الشيطان له حال هربه ، إمّا معناه الحقيقي وهو الإسقاط على الأرض ، فيكون الكلام استعارة تمثيليّة ، شبّه صورة تعويق الشيطان له عن النجاة من الذنوب والمعاصي - بالإقبال على الله تعالى ، والإعراض عنها - بصورة تعويق من أسقط هاربا من مخوف ، وأوقعه على الأرض من ( 4 ) النجاة ممّا يخافه بالهرب منه .
فالمشبّه به هيئة منتزعة من الهارب ، وطرحه على الأرض وتعويقه عن النجاة ممّا هرب منه . والمشبّه منتزعة من نفسه ، وفسخ الشيطان لعزيمته من الفرار إلى الله تعالى من الذنوب ، بتسويله وتعويقه عن اجتناب الذنوب والخلاص منها . فلا تكون كلمة « أوقعني » استعارة بل هي باقية على معناها الحقيقي ، كما قرروه في قولهم
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : ص 42 الحطب 1 .
( 2 ) أساس البلاغة : ص 686 .
( 3 ) ديوان الأدب : ج 3 ص 268 .
( 4 ) " ألف " على الأرض وتعويقه عن النجاة .