تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
شرح
والدليل على ذلك : أنّ إبليس مكلَّف ، والمكلَّف لا يجوز أن يعلم أجله لما فيه من الإغراء بالقبيح ، لأنّه إذا علم أجله أقدم على المعصية بقلب فارغ حتّى إذا قرب أجله تاب فتقبل توبته . وأجيب : بأنّ من علم الله تعالى من حاله أنّه يموت على الطهارة والعصمة كالأنبياء ، أو على الكفر والمعصية كإبليس ، فإنّ إعلامه بوقت أجله لا يكون إغراء على القبيح ، لأنّه لا يتفاوت حاله بسبب ذلك التعريف والإعلام . الثالث : قالت الأشاعرة : في إنظار إبليس وإمهاله دلالة على أنّه لا يجب على الله سبحانه رعاية مصالح العبد في دينه ولا في دنياه ، وإلا لم يمهل إبليس حين استمهله مع علمه بالمفاسد والغوائل المترتبة على ذلك . وممّا يؤيّد ذلك أنّه بعث الأنبياء دعاء للخلق إلى الحق ، وعلم من حال إبليس أنّه لا يدعو إلا إلى الكفر والضلال . ثمّ أنّه أمات الأنبياء وأبقى إبليس ، ومن كان يريد مصالح العباد امتنع منه أن يفعل ذلك . وهذه الشبهة هي الشبهة السابعة من شبهات إبليس اللعين التي ذكرناها في الروضة السابعة عشرة ، وقد تقدّم الجواب عنها هناك . وأجابت المعتزلة عن ذلك : بأنّ الله تعالى خلق آدم وذريّته قادرين على دفع إبليس عن أنفسهم ، فهم الذين اختاروا الكفر والفساد . أقصى ما في الباب أن يقال : إنّ الاحتراز عن القبيح حال عدم إبليس أسهل منه حال وجوده ، إلا أنّ على هذا التقدير تصير وسوسته سببا لزيادة المشقّة في أداء الطاعات فيزداد المكلَّف بتكلَّفها ثوابا ، كما قال عليه السّلام « أفضل الأعمال أحمزها » ( 1 ) ، أي أشقّها . وذلك لا يمنع الحكيم من فعله ، كما أنّ إنزال المشاقّ والآلام ، وإنزال المتشابهات صار سببا لزيادة الشبهات ، ومع ذلك لم يمتنع فعلها من الله تعالى .
هامش
( 1 ) مفتاح الفلاح : ص 32 .