وقد استحوذ عليّ عدوّك الَّذي استنظرك لغوايتي فأنظرته ، واستمهلك إلى يوم الدّين لإضلالي فأمهلته ، فأوقعني وقد هربت إليك من صغائر ذنوب موبقة ، وكبائر أعمال مردية .
شرح
وفي الكشّاف : السرائر ما أسرّ في القلوب من العقائد والنيّات وغيرها وما أخفي من الأعمال ( 1 ) .
وإضافة الغيّبات إلى السرائر بيانيّة ، أي الغائبات من السرائر ، وهي التي لا يحيط بها إلا علم اللطيف الخبير .
ومدار هذه الفقرات على الثناء عليه سبحانه بنفوذ علمه في كلّ خفيّ ومستتر ، وعدم خفاء شيء عليه من دقائق الأحوال وغوامضها ، ومكنونات الأسرار وغوايبها ، بحيث لا يشذّ شيء منها عن إحاطة علمه . إذ كان الخفاء والستر والغيب إنّما تطلق بالقياس إلى مخفيّ عنه ، ومستور وغائب عنه ، وهي القلوب المحجوبة بحجب الطبيعة وأستار الهيئة البدنيّة ، والأرواح المستولي عليها نقصان الإمكان ، الحاكم عليها بجهل ما خفي عليها ، واستتر وغاب عنها ، وكلّ ذلك لما ينزّه قدس الحضرة الإلهيّة عنه .
وكرّر عليه السّلام بيان إحاطة علمه تعالى بذلك ، دفعا للأحكام الفاسدة الوهميّة ، كما توهّم بعض القاصرين أنّه لا علم له سبحانه بالأشياء قبل وجودها ، وبعضهم أنّه لا علم له بالجزئيات ، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا .
استحوذ عليه الشيطان : غلبه ، واستماله إلى ما يريد منه .
قال الجوهريّ : وهذا جاء بالواو على أصله ، كما جاء استروح ، واستصوب .
وقال أبو زيد : هذا الباب كلَّه يجوز أن يتكلَّم به على الأصل . تقول العرب :
استصاب واستصوب ، واستجاب واستجوب ، وهو قياس مطَّرد عندهم . وقوله تعالى : أَ لَمْ نَستَحْوذْ عَلَيْكُم ، أي : ألم نغلب على أموركم ، ونستولي على مودّتكم ( 2 ) .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف : ج 4 ص 736 .
( 2 ) الصحاح : ج 2 ص 563 .